الانتقال الطاقي يعزز سيادة المغرب ويرسخ مكانته كقطب إقليمي للطاقة النظيفة

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

واصل المغرب، على مدى سبعة وعشرين عاماً، ترسيخ أسس انتقاله الطاقي باعتباره أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية الهادفة إلى تعزيز السيادة الطاقية، ودعم التنمية المستدامة، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على مواكبة التحولات العالمية. وقد شكلت الاستراتيجية الوطنية للطاقة، التي أطلقت سنة 2009، نقطة تحول محورية، بعدما جعلت من النجاعة الطاقية أولوية وطنية، قبل أن تتوسع الجهود نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات منخفضة الكربون، انسجاماً مع التوجهات الدولية الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني.

ولم يقتصر هذا التحول على إنشاء محطات لإنتاج الكهرباء النظيفة، بل أسهم أيضاً في تعزيز موقع المغرب ضمن خريطة الاستثمارات الخضراء، مستفيداً من مؤهلاته الطبيعية وموقعه الجغرافي ورؤيته الاستراتيجية، بما يؤهله ليصبح منصة إقليمية لإنتاج الطاقات النظيفة والصناعات ذات القيمة المضافة العالية، في ظل تزايد أهمية معايير الاستدامة وتقليص الانبعاثات الكربونية في الاقتصاد العالمي.

وأكد مدير معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة، سمير الراشدي، أن الإنجازات التي حققها المغرب في مجال الطاقات المتجددة جاءت ثمرة مسار متواصل انطلق منذ بداية الألفية، مع الاهتمام بالطاقة الريحية، قبل أن يشكل إطلاق المخطط المغربي للطاقة الشمسية سنة 2009، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، محطة مفصلية في مسار الانتقال الطاقي.

وأضاف أن احتضان المغرب لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المناخ “كوب 22” منح زخماً إضافياً لهذا الورش، وساهم في تسريع إنجاز المشاريع الكبرى، الأمر الذي مكن المملكة من التموقع ضمن الدول الرائدة إقليمياً في مجال الطاقات المتجددة.

وأشار الراشدي إلى أن الطاقات المتجددة باتت تمثل نحو 46 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة، في وقت تراجعت فيه التبعية الطاقية للمملكة من حوالي 98 في المائة سنة 2009 إلى نحو 90 في المائة خلال السنة الأخيرة، وهو ما يعكس الأثر الإيجابي للاستثمارات المتواصلة في هذا القطاع.

وفي السياق ذاته، أوضح أن المغرب لم يعد يُنظر إليه فقط كمنتج للكهرباء النظيفة، بل أصبح وجهة لتطوير الصناعات الخضراء وإنتاج مواد ذات قيمة مضافة مرتفعة، وهو ما عزز جاذبيته لدى المستثمرين الدوليين.

وبخصوص الهيدروجين الأخضر، أبرز الراشدي أن المغرب كان من أوائل الدول الإفريقية التي استشرفت أهمية هذا القطاع، حيث شرع منذ سنة 2018 في إعداد تصوره الاستراتيجي، قبل إصدار خارطة الطريق الوطنية سنة 2021، ثم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

واكتسب هذا الورش دفعة قوية عقب الدعوة الملكية الواردة في خطاب عيد العرش لسنة 2023 إلى تسريع تنزيل “عرض المغرب” في مجال الهيدروجين الأخضر، بما يرسخ مكانة المملكة كفاعل رئيسي في هذا المجال الواعد، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية والبنيات اللوجستية التي تتوفر عليها.

ودخل المشروع حالياً مرحلة التنفيذ عبر إطلاق ستة مشاريع استثمارية كبرى بقيمة تناهز 319 مليار درهم، موزعة على جهات العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب وكلميم واد نون، وتركز على إنتاج الأمونياك الأخضر والوقود الاصطناعي والفولاذ الأخضر.

ويرى الراشدي أن هذه المشاريع ستفتح آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الوطني، عبر توسيع الاستثمارات في الطاقات المتجددة وتطوير الصناعات الكيميائية النظيفة منخفضة الكربون، فضلاً عن تعزيز مكانة المغرب كمنصة لإنتاج الطاقة النظيفة وتصدير المنتجات الخضراء.

من جانبه، أكد الخبير في الطاقات المتجددة والانتقال الطاقي، إدريس زجلي، أن المغرب بات يحظى باهتمام متزايد من المستثمرين الدوليين، بفضل موارده الطبيعية وعلاقاته الاقتصادية المتينة مع أوروبا، التي تستقبل الجزء الأكبر من الصادرات المغربية.

وأشار إلى أن مشاريع الهيدروجين الأخضر ستسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، مستحضراً النجاح الذي حققه المركب الشمسي “نور ورزازات”، الذي يعد من أبرز المشاريع العالمية في هذا المجال، ويوفر كهرباء نظيفة لما يقارب مليوني شخص، مع المساهمة في تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحوالي 900 ألف طن سنوياً.

وأوضح زجلي أن الهيدروجين الأخضر يمثل إحدى الركائز الأساسية لبناء اقتصاد منخفض الكربون، بفضل قدرته على تخزين الطاقة المتجددة واستعمالها في قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها، مثل الصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي.

كما شدد على أن المتطلبات البيئية الجديدة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها آلية تعديل الكربون على الحدود، تجعل من الاعتماد على الطاقة النظيفة وتقليص البصمة الكربونية ضرورة للحفاظ على تنافسية الصادرات المغربية واستقطاب المزيد من الاستثمارات.

واختتم بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تستوجب تسريع تنزيل مشاريع الانتقال الطاقي، وتطوير الإطار التشريعي، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، إلى جانب استثمار مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها الربط الكهربائي مع أوروبا وأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، بما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للطاقة، خاصة مع اقتراب استضافة كأس العالم 2030، التي تشكل فرصة إضافية لترسيخ نموذج تنموي قائم على الاستدامة والاقتصاد الأخضر.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment