العنف الرقمي ضد النساء… امتداد للألم الواقعي لا مجرد أثر افتراضي

المحور الصحفي // هيئة التحرير 

لا يبدو الحديث عن العنف ضد النساء ترفًا أو قضية هامشية في منطقةٍ بات البقاء فيها فعلًا يوميًا أشبه بالطهي، والنوم، وابتلاع المسكّنات. ففي عالم عربي لم يمرّ خلال العامين الماضيين يوم، وربما دقيقة، دون أن يتصدر العنف المشهد، تظل النساء الأكثر تعرضًا لأشكاله، ماديًا كان أو معنويًا، ما يجعل تجاهل واقعهن إضافة مأساوية جديدة إلى سجل الانتهاكات.

في الخامس والعشرين من نوفمبر من كل عام، تحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، وقد اختارت هذا العام التركيز على العنف الإلكتروني، في وقت أصبحت فيه الرقمنة جزءًا من تفاصيل حياتنا الشخصية والمهنية، بينما تبقى النساء الطرف الأكثر هشاشة أمام هذا النوع من الانتهاكات. ورغم أنّ واحدة من كل ثلاث نساء تعرضت للعنف الجسدي أو الجنسي مرة واحدة على الأقل في حياتها، تشير الدراسات إلى أن هذا “الوباء” يتكيف مع البيئات المتوترة ويتكاثر حيث يمكنه التمدد.

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تكشف تقارير البنك الدولي أن نسب العنف القائم على النوع الاجتماعي تتجاوز المعدل العالمي، إذ تعرضت 40% من النساء للعنف من قبل شريك مرة واحدة على الأقل. كما أظهرت بيانات الباروميتر العربي أن الجائحة الصحية ثم التطورات السياسية والعسكرية خلال العامين الأخيرين ساهمت في تفاقم حالات العنف، إذ يرى غالبية المستطلعة آراؤهم في تونس، لبنان، العراق، الأردن وفلسطين أن وتيرة العنف ضد النساء ارتفعت.

وتقدّم الباحثة والصحفية السورية رنا عقباني مقاربة مختلفة، معتبرة أن العنف الرقمي ليس نتيجة جانبية للحياة الافتراضية، بل امتداد مباشر للعنف البنيوي والواقعي داخل المجتمع العربي. فمن خلال ورقتها الأكاديمية المعتمدة على 15 دراسة، تستعرض تجارب نساء من العراق، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، السودان، سوريا واليمن، موضحة كيف يتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة للتشهير، إسكات الأصوات، بل وتعريض النساء للخطر، خصوصًا في سياقات الاضطراب.

تُبرز عقباني أنه خلال حرب طرابلس عام 2019 مثلًا، تحولت منصات التواصل الاجتماعي في ليبيا إلى ميدان موازٍ للصراع، حيث استُخدمت روايات عنف جنسي لإذلال الخصوم. وفي فلسطين، يتداخل الضغط الاجتماعي مع الواقع الأمني، ليصبح الفضاء الإلكتروني أداة رقابة وإسكات خلال الأزمات.

ترجع الأمم المتحدة تفاقم العنف الرقمي إلى ضعف الأطر التشريعية المنظمة للتكنولوجيا، غياب التجريم القانوني للاعتداءات عبر الإنترنت، الإفلات من العقاب، صعوبة تتبع الجناة، محدودية الدعم المقدم للضحايا، وصعود أنماط إساءة مستجدة عبر الذكاء الاصطناعي. ورغم الخطابات الرسمية التي تعد بوضع المرأة ضمن الأولويات، تشير المعطيات إلى أن الدعم المؤسساتي غالبًا ما يكون محدودًا، ما يدفع الضحايا إلى الاتكال على الأسرة أو الجمعيات المدنية.

وتوصي ورقة عقباني بضرورة سن قوانين أكثر صرامة، توسيع برامج التربية الرقمية، توفير الدعم النفسي والاجتماعي، ومساءلة شركات التكنولوجيا. غير أن تنفيذ هذه الحلول يبقى موضع شك في ظل الاضطراب الذي تعيشه المنطقة، حيث تُدرج حماية النساء في خانة “المهام المؤجلة”.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment