زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان: نافذة سلام مؤقتة أم استعراض رمزي بلا تأثير؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

يصل البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان في 30 تشرين الثاني، وسط قلق لبناني متزايد من احتمال اندلاع حرب شاملة، بعد أن أنهكت الحروب والانهيارات الاقتصادية والنزوح الواسع البلاد. تأتي هذه الزيارة لتشكل رسالة دعم روحية ودبلوماسية، إذ اختار البابا لبنان إلى جانب تركيا كأول محطة خارجية له منذ انتخابه، في محاولة لإعادة إدراج لبنان على الخريطة الدولية وإحياء الاهتمام بمعاناة شعبه.

لكن هذه الرمزية الروحية تتقاطع مع واقع إقليمي حساس، حيث تستمر إسرائيل في التصعيد رغم اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، فيما توثق المصادر اللبنانية انتهاكات جوية ونشاطات عسكرية شمال الخط الأزرق، ما يضع احتمالات الحرب في دائرة التهديد المستمر.

يرى المحلل السياسي سركيس نعوم أن إسرائيل، على الرغم من عدوانيتها، تعرف أصول العمل السياسي ولا يمكنها تجاوز الاعتبارات الدولية بسهولة. أي خطوة عسكرية كبيرة قبل وصول البابا قد تُفسر كاستهداف رمزي للمسيحيين ولزيارة البابا، ما قد يثير غضب المجتمع الدولي. بالتالي، من المحتمل أن تلجأ إسرائيل إلى تأجيل أي حرب واسعة خلال هذه الفترة، ما يجعل التأثير البابوي محدودًا لكنه واقعي في منع تصعيد فوري.

مع ذلك، يؤكد نعوم أن هذه “الفرملة” مؤقتة، وأن تهديد الحرب يبقى قائماً. ويشدّد على أن أي تغيير حقيقي في المسار اللبناني مرتبط بالقدرة الداخلية على جمع الصف الوطني، إذ لا يمكن للزيارة البابوية وحدها أن تخلق تحولات سياسية جوهرية أو تفرض السلام.

تعتبر زيارة البابا رسالة رمزية للعيش المشترك والسلام، لكنها محكومة بتقاطع المصالح الدولية، وخصوصاً الأمريكية والغربية، في الملف اللبناني. تاريخيًا، لعبت الفاتيكان أدوارًا حقيقية حين التقى الحافز البابوي بمصلحة دولية واضحة، كما في الاتحاد السوفيتي وبولونيا. أما في لبنان، فغياب هذا التلاقي يجعل القدرة البابوية على التأثير على الملفات الشائكة محدودة، خاصة في ما يتعلق بملف حزب الله ونزع السلاح.

يؤكد نعوم أن الخطاب البابوي يرسخ قيم السلام والتعايش بين الأديان، لكنه لا يمكن أن يغير التحالفات الداخلية أو الهيكل السياسي اللبناني، الذي يتأثر بمصالح خارجية. وقد تساعد الزيارة في تحفيز شركاء الفاتيكان لتقديم دعم إضافي للبنان، لكن الدعم الحقيقي يحتاج إلى رؤية لبنانية جامعة تجمع بين مصلحة المسيحيين والمسلمين لتأسيس دولة وطنية جديدة.

في النهاية، تبدو زيارة البابا ليو الرابع عشر نافذة مؤقتة لتهدئة التصعيد، لكنها ليست ضمانة لتغيير جذري. لبنان سيظل على مفترق صعب، حيث تبقى قدرة الداخل على الإصلاح والتوازن الوطني العامل الحاسم لوقف نزيف الحرب واستعادة الدولة.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment