اغتيال الطبطبائي… هل عطّل حربًا وفتح نافذة تفاوض؟ قراءة في معادلات القوة بين إسرائيل وحزب الله

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
يمثل اغتيال هيثم علي الطبطبائي، رئيس أركان حزب الله، لحظة مفصلية في الصراع بين إسرائيل والحزب، ليس فقط لأنه أعلى قائد عسكري يستهدف منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، بل لأن العملية أعادت خلط أوراق المواجهة وأعطت لإدارة ترامب وإسرائيل هامشًا جديدًا للحسابات العسكرية والسياسية.
بحسب مسؤول أمريكي نقل عنه موقع “أكسيوس”، فإن اغتيال الطبطبائي أوقف، أو على الأقل أخّر، عملية عسكرية إسرائيلية واسعة كانت محتملة في لبنان. القراءة الأميركية تقول إن إسرائيل كسبت “وقتًا سياسيًا” عبر الضربة، وإن إدارة ترامب لا تتوقع استئناف الحرب خلال الأسابيع المقبلة، رغم لهجة بعض جنرالات وسياسيي تل أبيب. بعبارة أخرى، وفّرت العملية لإسرائيل ما تحتاجه دائمًا: ضربة نوعية تُسوَّق داخليًا كإنجاز، وذريعة لتهدئة الضغط الداخلي دون الدخول في حرب شاملة مكلفة وغير مضمونة.
لكن هذا الهدوء النسبي يخفي ما هو أبعد. فمنذ وقف إطلاق النار، حافظ الطرفان على مستوى من الاشتباك “المضبوط”، إلا أن إسرائيل كثّفت ضرباتها في لبنان من خلال سياسة “الاستنزاف الموجّه”، بذريعة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته. اغتيال الطبطبائي يأتي ضمن هذا النهج: ضربات جراحية تمنع تراكم قوة الخصم دون الوصول إلى مواجهة كبرى.
من جهة أخرى، يواصل حزب الله اتهام إسرائيل بخرق اتفاق وقف إطلاق النار عبر اغتيالات متكررة، فيما تحذّر بيروت من أن تل أبيب تقوّض عمليات الجيش اللبناني وتحتفظ بخمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية. وإذ يؤكد الحزب “حقه في الرد”، فإن الرد في العادة لا يتجاوز قواعد الاشتباك التي تضمن استمرار التوازن، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
لقاء الناقورة: كسر جليد أم إعادة إنتاج اللاحرب–اللاسلم؟
الاجتماع النادر الذي جمع مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين في الناقورة برعاية أميركية، لأول مرة بهذا المستوى منذ 1993، يُقرأ كجزء من محاولة إدارة ترامب لإيجاد “مخارج سياسية” تمنع الانفجار. تركيز اللقاء، بحسب التسريبات، كان تعارفيًا، مع إشارات إلى تعاون اقتصادي يخص إعادة الإعمار. لكنه يبقى لقاءً في ظل غياب أي ثقة حقيقية، وفي وقت يمنح فيه اغتيال الطبطبائي إسرائيل موقعًا تفاوضيًا أعلى.
هل تحاول إدارة ترامب صنع “إنجاز دبلوماسي”؟
المؤشرات توحي بأن واشنطن تسعى لإظهار قدرتها على احتواء جبهة لبنان، كما تفعل في الملف الأوكراني. لكنها تفعل ذلك بوسائل مضطربة وغير متماسكة، تجمع بين التهدئة الكلامية، وتشجيع تل أبيب على “ضبط النفس”، وغضّ النظر عن عمليات الاغتيال التي تغيّر موازين القوة. وهذا مزيج يزيد هشاشة الوضع بدل أن يعزز الاستقرار.
قراءة أوسع: ماذا وراء إيقاف العملية العسكرية؟
هناك ثلاثة عوامل تفسر تأجيل الحرب الإسرائيلية المحتملة:
- الخسائر المتوقعة في حال توسع المواجهة:
إسرائيل تعرف أن الحرب مع حزب الله ليست نزهة، وأن الترسانة الصاروخية للحزب قد تخلق شللًا واسعًا داخل العمق الإسرائيلي. - الاعتبارات السياسية الداخلية:
حكومة يمينية هشة تحتاج إنجازات أمنية، وليس مغامرات قد تؤدي إلى مأزق جديد مثل ما حدث في غزة. - الضغوط الأميركية:
إدارة ترامب لا تريد حربًا إقليمية قبل الانتخابات، وتحتاج جبهة لبنان تحت السيطرة لانتزاع صورة “الضامن” للاستقرار.
اغتيال الطبطبائي هو أقوى رسالة إسرائيلية منذ وقف إطلاق النار، لكنه أيضًا إشارة إلى محدودية خيارات تل أبيب. العملية حققت لإسرائيل مكاسب استخباراتية وإعلامية، لكنها لم تغيّر البيئة الاستراتيجية: حزب الله لم ينهَر، وإسرائيل ليست مستعدة لحرب واسعة، وواشنطن تشجع الاستقرار أكثر مما تشجع الحسم العسكري.
المنطقة اليوم تعيش مرحلة “لاحرب محسوبة”، حيث تُستخدم الاغتيالات كأدوات للتفاوض، وليس كتمهيد للمعركة الكبرى. لكن هذا التوازن هش، وأي خطأ في الحساب قد يدفع لبنان وإسرائيل إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها في الخلفية.
مقالات ذات صلة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات
مونديال 2030.. زيارة «فيفا» تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار الجاهزية، والمغرب مطالب بتحويل الطموح إلى إنجاز


Comments ( 0 )