القطاع الخاص في المغرب بين قيود هيكلية وفرص تحول نحو نموذج نمو أكثر تنافسية وشمولية

المحور الصحفي // سميرة الصالحي

يواجه القطاع الخاص في المغرب تحديات بنيوية معقدة تحد من قدرته على لعب دور محوري في دفع النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل، وذلك رغم الدينامية التي عرفها الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة، والتي لم تُترجم بشكل كافٍ إلى توسع متوازن في الاستثمار الخاص.

وفي هذا الإطار، يشير تقرير تشخيص صادر عن مجموعة البنك الدولي إلى أن مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار الإجمالي ظلت محدودة، حيث لم تتجاوز ثلث الاستثمارات بين 2014 و2022، في حين ما يزال الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستثمار العمومي، رغم التوقعات بجذب استثمارات خاصة قد تصل إلى 7.4 مليار دولار في قطاعات واعدة مثل النسيج منخفض الكربون، والطاقة الشمسية، ومنتجات الأركان.

ورغم تسجيل الاقتصاد الوطني نموا يقارب 25% بين 2014 و2024، وارتفاع دخل الفرد بأكثر من 10%، فإن هذا التطور ظل مدعوماً أساساً باستقرار السياسات الاقتصادية والمالية، إضافة إلى موقع استراتيجي عزز جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والفلاحة والخدمات، غير أن أثره على التشغيل ظل محدوداً.

ومن جهة أخرى، يبرز التقرير أن ضعف مساهمة القطاع الخاص خارج الأقطاب الصناعية، إضافة إلى محدودية الإنتاجية، يشكلان عائقاً أمام خلق فرص الشغل، ما يجعل النمو أقل شمولاً وأكثر ارتباطاً بتقلبات القطاع الزراعي والمناخ.

كما يلفت التقرير إلى وجود اقتصاد مزدوج، حيث تتعايش شركات موجهة للتصدير مع قطاع غير مهيكل واسع يشكل أكثر من 77% من التشغيل ونحو ثلث الناتج الداخلي الخام، وهو ما ينعكس سلباً على الإنتاجية ويضعف دينامية الابتكار.

وبالإضافة إلى ذلك، تعاني بيئة الأعمال من جمود في سوق الشركات، وضعف في الدخول والخروج من السوق، حيث لا تتجاوز نسبة خروج الشركات 1.2%، في حين أن 45% من الشركات الرسمية يتجاوز عمرها عشر سنوات، ما يعكس محدودية تجديد النسيج الإنتاجي.

وفي ما يتعلق بالتمويل، يظل الولوج إلى القروض من أبرز التحديات، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي لا تحصل إلا على أقل من 15% من التمويل البنكي، رغم قوة النظام المالي الذي تمثل أصوله حوالي 80% من الناتج الداخلي الخام، إلى جانب محدودية سوق الرساميل واقتصار البورصة على عدد قليل من الشركات.

كما يشير التقرير إلى أن سوق الشغل يعاني من ضعف في معدل المشاركة الذي لا يتجاوز 43.5%، مع ارتفاع البطالة لدى الشباب والنساء، إضافة إلى فجوة في المهارات تعتبرها ثلث المقاولات عائقاً أساسياً أمام الإنتاج، في ظل عدم ملاءمة منظومة التعليم والتكوين لحاجيات السوق.

ومن ناحية أخرى، يبرز التقرير استمرار تحديات مناخ الأعمال، المرتبطة بالضغط الضريبي، وتعقيد الإجراءات، وضعف المنافسة، والولوج إلى العقار، رغم الإصلاحات الجارية، إلى جانب حضور قوي للمؤسسات العمومية التي تساهم بحوالي 22% من الناتج الداخلي الخام.

ومع ذلك، يؤكد البنك الدولي أن هناك فرصاً واعدة لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي، من خلال الاستثمار في قطاعات استراتيجية مثل الطاقات المتجددة، والنسيج المستدام، والاقتصاد الأزرق، ومنتجات الأركان، باعتبارها قطاعات قادرة على خلق نمو أكثر استدامة وشمولاً.

وفي هذا السياق، يشدد التقرير على أن نجاح هذا التحول يرتبط بتحسين شروط أساسية، من بينها خفض كلفة الطاقة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الرقمنة، وتسهيل الولوج إلى الأسواق الخارجية، خاصة الأوروبية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وخلاصة، يخلص التقرير إلى أن المغرب راكم مكاسب مهمة خلال العقد الأخير، غير أن التحدي الرئيسي اليوم يتمثل في إعادة تموقع القطاع الخاص ليصبح المحرك الأساسي للنمو، عبر إصلاحات عميقة تشمل مناخ الأعمال، والتمويل، وسوق الشغل، ومعالجة اختلالات الاقتصاد غير المهيكل.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment