كوت ديفوار تعيد رسم مواقف إفريقيا الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي وتكرس تحولا دبلوماسيا في ملف الصحراء المغربية

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
في سياق دبلوماسي يتسم بتسارع إعادة التموضع داخل القارة الإفريقية بشأن قضية الصحراء المغربية، يبرز الموقف الإيفواري الأخير أمام المؤتمر الإقليمي للجنة الـ24 التابعة للأمم المتحدة بوصفه أكثر من مجرد إعلان دعم تقليدي، بل تعبير واضح عن تحوّل تدريجي في ميزان التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل نهائي للنزاع.
فكوت ديفوار، التي جددت تأكيد انخراطها الكامل في دعم هذا الطرح، لم تكتف بتكرار موقف سياسي عام، بل قدّمت رؤية شاملة تربط بين الشرعية الدولية، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار المؤسساتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، في محاولة لتثبيت مقاربة تعتبر أن الحل لا يمكن أن يكون نظرياً أو معزولاً عن الواقع الميداني.
ويُفهم من هذا التموقع أن النموذج المغربي لم يعد يُطرح فقط كاقتراح سياسي، بل كمسار عملي يحظى بزخم متزايد داخل المنتظم الدولي، خاصة مع الإشارة إلى اتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة، والتي تضم عدداً وازناً من الفاعلين الدوليين المؤثرين داخل مجلس الأمن وخارجه. وهو ما يعكس انتقال الملف من دائرة التجاذب التقليدي إلى فضاء أكثر براغماتية تحكمه اعتبارات الاستقرار والتنمية.
الأهمية السياسية لهذا الموقف لا تنفصل عن التحولات التي تعرفها العلاقات الإفريقية-الإفريقية، حيث أصبحت قضايا السيادة والتنمية والأمن مترابطة بشكل غير مسبوق. فالدول الإفريقية، ومنها كوت ديفوار، باتت تميل بشكل متزايد إلى دعم الحلول التي تضمن الاستقرار الإقليمي وتفتح المجال أمام الاستثمار والتكامل الاقتصادي، بدل الانخراط في نزاعات طويلة الأمد تستنزف الموارد وتعرقل التنمية.
وفي هذا السياق، يكتسب افتتاح قنصلية عامة لكوت ديفوار بمدينة الداخلة دلالة رمزية قوية، تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى تأكيد عملي على الاعتراف بالدينامية الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمغرب. وهو ما يعكس انتقال الدبلوماسية من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل الميداني.
كما أن الإشادة بالجهود التنموية والحقوقية في المنطقة، سواء عبر النموذج التنموي الجديد أو من خلال المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، يقدم صورة متكاملة تسعى إلى تعزيز سردية الاستقرار المؤسسي داخل الأقاليم الجنوبية، في مقابل الطروحات التي ما تزال تعتمد على مقاربات تقليدية في قراءة النزاع.
غير أن الملف لا يخلو من تعقيدات، إذ يظل البعد الحقوقي في مخيمات تندوف أحد أكثر النقاط حساسية في الخطاب الدبلوماسي الدولي، خاصة مع استمرار الدعوات إلى ضرورة إجراء إحصاء دقيق للساكنة، بما ينسجم مع المعايير الإنسانية الدولية ويضمن شفافية أكبر في تدبير هذا الملف.
على المستوى الأممي، يعكس تأكيد كوت ديفوار على مركزية مسار الأمم المتحدة وتثمينها لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام، تمسكاً بإطار تفاوضي واضح، لكنه في الوقت ذاته ينسجم مع تصور متزايد داخل المجتمع الدولي يعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل القاعدة الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق ضمن الحلول المطروحة.
كما أن الإشارة إلى القرار الأخير لمجلس الأمن، بوصفه إطاراً داعماً للعملية السياسية، تعزز هذا الاتجاه الذي يميل نحو تثبيت حل وسط يقوم على التوافق بدل الاستقطاب، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الجمود السياسي لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة.
إذا يمكن قراءة الموقف الإيفواري باعتباره جزءاً من دينامية أوسع تعيد تشكيل ملامح التعاطي الدولي مع ملف الصحراء المغربية، حيث تتقدم لغة التنمية والاستقرار على حساب منطق الصراع، وتتراجع المقاربات الجامدة لصالح حلول سياسية عملية.
وإذا استمرت هذه التحولات بنفس الوتيرة، فإن الملف قد يتجه تدريجياً نحو مرحلة جديدة يكون فيها الحكم الذاتي ليس مجرد مقترح تفاوضي، بل الإطار المرجعي الأكثر واقعية لحسم نزاع طال أمده داخل القارة الإفريقية.
مقالات ذات صلة
افتتاح البرلمان.. انتهى زمن الوعود وبدأ امتحان المحاسبة والإنجاز
المرأة المغربية نماءُ وطنٍ وصمودُ روح
مفارقة معرض مراكش للصناعات الدفاعية.. هل نريد مغرباً قوياً أم بلداً مكشوفاً أمام التحولات الإقليمية؟
ذِكــْرَى طُوفَــان الأَقْصَــى07 أُكْتُوبــر 2023، المُقَــاوَمَـــــــة ثَقَــافَـــــــــــة
تخليد ذكرى عملية الإنزال بالنورماندي والعرفان المادي والمعنوي بمن خاضها …


Comments ( 0 )