تكريم الشهداء بين الرمزية و الإنصاف الإجتماعي دعوة لترسيخ الوفاء في السياسات العمومية

المحور الصحفي // فريد نعناع
لازالت رسائل أبناء وأرامل شهداء وأسرى ومفقودي حرب الصحراء المغربية تتهاطل على جريدة ” المحور الصحفي ” لإيمانهم القوي بأنها ستبقى منبرا يصدح بهمومهم ، وصلة وصل بينهم وبين المصالح المعنية والرأي العام المثمن لما قدمته تلك الفئة من تضحيات .
في خطوة تحمل أبعادا رمزية ووطنية عميقة ، وجه رئيس الحكومة المغربية السيد عزيز أخنوش بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء مراسلة رسمية إلى مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية ، يدعو من خلالها إلى إطلاق أسماء الشهداء ونساء ورجال المقاومة والحركة الوطنية وجيش التحرير على المؤسسات التعليمية والشوارع والساحات ، والفضاءات العمومية .
كما دعت المراسلة – حسب ما جاء في رسالة أبناء وأرامل شهداء حرب الصحراء المغربية – إلى إقامة معالم تذكارية تخليدا لذكراهم وترميم مقابر من سقطوا بساحات الشرف وتنظيم زيارات رمزية للترحم على أرواحهم ، وهي إلتفاتة تعكس حرص الدولة على صون الذاكرة الوطنية الجماعية و الإعتراف بتضحيات من وهبوا أرواحهم من أجل عزة الوطن و إستقلاله .
لا شك أن هذه المبادرة التي تكتسي طابعًا رمزيًا نبيلًا تستحق التنويه لما تحمله من وفاء لتاريخ نضالي مشرف شاركت في صناعته أجيال من المغاربة الذين ناضلوا من مواقع مختلفة دفاعًا عن الأرض و الكرامة و السيادة .
غير أن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات – تسترسل الرسالة – لا يكتمل عند حدود الرمزية مهما كانت قوية في دلالاتها ، بل يستدعي بالضرورة ربطها بالعدالة الاجتماعية وإدماجها في صميم السياسات العمومية ، وذلك من خلال العناية الواقعية والملموسة بأسر الشهداء وذويهم .
فلا معنى لإطلاق أسماء الشهداء على مؤسسات أو شوارع بينما يعاني أبناؤهم من التهميش ، ويواجهون الحياة بموارد محدودة وسط غياب برامج الدعم والإستقرار ، ولا جدوى من تشييد النصب التذكارية إذا ظلت معاناة أسر الشهداء حاضرة في صمت غير مرئي داخل أحياء مهمشة .
إن الكرامة التي ناضل من أجلها الشهداء لا يمكن إختزالها في لافتات حجرية أو تسميات رمزية بل يجب أن تترجم إلى واقع إجتماعي منصف وملموس ، يضمن لأبنائهم وأحفادهم الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة من صحة وتعليم وسكن وفرص عمل ؛ حيث أن الكرامة الحقيقية تبدأ عندما يعاد الإعتبار إلى الإنسان لا إلى اللافتة ، وعندما توازي مواقع نصب الأسماء واقع إنصاف الأبناء .
هذا وقد إستحضرت هذه الفئة في رسالتها مثلا مغربيا يقول ( منين كتشبع الكرش كتقول للعقل غني ) ؛ في إشارة إلى أن الكرامة الإنسانية تبدأ من تلبية الحاجيات الأساسية ؛ فحبذا لو يقترن هذا التكريم الرمزي ببرامج عملية تهدف إلى إعادة الإعتبار الحقيقي لورثة التضحيات من خلال توفير الدعم المادي ، والأولويات في التشغيل ، والسكن اللائق ، وكل ما يضمن لهذه الشريحة من الأمة العيش الكريم الذي يليق بتاريخ آبائهم ونضالهم .
وتضيف الرسالة أن هذا ما يفرض على الجهات الوصية بأن تتجاوز مظاهر التكريم الشكلي إلى تبني رؤية شاملة ، ومنصفة ، قوامها إحترام إرث شهداء الوطن ، من خلال تثمينه في السياسات العمومية ، وتوسيع دائرة الإستفادة لتشمل برامج الدعم الإجتماعي والإقتصادي والنفسي ؛ ما يلزم المؤسسات المنتخبة ، والسلطات ، أن تنخرط بدورها في هذه الرؤية عبر إحصاء دقيق لأوضاع هذه الأسر ، وتقديم الدعم المناسب لها ، وفقا لحاجياتها المتنوعة ، بما يعكس التقدير العملي والفعلي لتاريخها النضالي .
إن تكريم الشهداء الحقيقي لا يتم فقط من خلال الرموز بل من خلال وضع العدالة الإجتماعية في صلب أولويات الدولة ، بإعتبارها الإمتداد الطبيعي للتضحيات التي سالت من أجلها الدماء ؛ فما طالب الشهداء بالمجد لأنفسهم ، بل حلموا بوطن يليق بأبنائه ، وطن لا ينسى من صنعوا مجده و لا يتخلى عن من حملوا رايته بعدهم .
هذا وقد أضافت الرسالة على أنه ولو قدر الله لتلك الأرواح الطاهرة أن تنطق اليوم لقالت : ( إحفظوا كرامة من بقوا بعدنا فإننا بذلنا حياتنا كي يعيشوا أحرارا وأعزاء ) .
إن ترسيخ ثقافة الإعتراف والوفاء في الوعي الوطني لا يكتمل إلا عندما توازي السياسات الرمزية قرارات إنصاف إجتماعي حقيقي يترجم إلى برامج وخطط وتراقب في تنفيذها لتصبح العدالة الإجتماعية إحدى أوجه الوفاء لذاكرة التضحيات ، ولن يتحقق ذلك إلا إذا تحولت المبادرات الرمزية إلى جزء من إستراتيجية وطنية شاملة ، لتكريم تاريخ المقاومة ليس فقط في الذاكرة ، وإنما كذلك من خلال المعيش اليومي .
مقالات ذات صلة
افتتاح البرلمان.. انتهى زمن الوعود وبدأ امتحان المحاسبة والإنجاز
المرأة المغربية نماءُ وطنٍ وصمودُ روح
مفارقة معرض مراكش للصناعات الدفاعية.. هل نريد مغرباً قوياً أم بلداً مكشوفاً أمام التحولات الإقليمية؟
ذِكــْرَى طُوفَــان الأَقْصَــى07 أُكْتُوبــر 2023، المُقَــاوَمَـــــــة ثَقَــافَـــــــــــة
تخليد ذكرى عملية الإنزال بالنورماندي والعرفان المادي والمعنوي بمن خاضها …


Comments ( 0 )