حين ينام المتشرد على الرصيف ويحتفل العالم بكرة القدم

المحور الصحفي // ايمان لعقاق 

في الوقت الذي تضيء فيه الشاشات العملاقة المقاهي وتزدحم الأرصفة بأصوات التشجيع والاحتفال بكأس العالم 2026، هناك على الهامش، بجانب المقاهي نفسها، جسدٌ منسيّ ينام بلا موعد ولا سؤال، متشرد فقد البوصلة الزمنية، لا يعرف إن كان اليوم جمعة أو أحداً، ولا يعنيه إن كانت البطولة في نصفها أو نهايتها.

المشهد يبدو عادياً في المدن المزدحمة، لكنه في عمقه يكشف فجوة قاسية بين عالمين يعيشان على نفس الأرض ولا يلتقيان. عالم يصفق ويخطط ويقيس الوقت بالدقائق والأهداف، وعالم آخر فقد حتى فكرة الوقت، حيث يتحول الليل إلى امتداد طويل من البرد والصمت، والنهار إلى انتظار ثقيل بلا غاية.

أمام المقاهي في مراكش وغيرها من المدن، يجلس الناس متحلقين حول المباريات، تتعالى الهتافات مع كل هدف، وتُرفع الأعلام مع كل انتصار، بينما لا يلتفت كثيرون إلى ذلك الجسد المستلقي على الرصيف القريب، كأنه خارج المشهد تماماً، أو كأنه غير مرئي أصلاً. التناقض هنا لا يحتاج شرحاً، بل يكفي أن يُرى حتى يوجع.

في هذا المشهد، لا يبدو الفقر مجرد نقص في المال، بل انفصال كامل عن الإيقاع العام للحياة. فالمتشرد لا يعيش خارج المدينة فقط، بل خارج زمنها أيضاً، خارج أخبارها، خارج أفراحها، وربما خارج تعريفها للإنسان نفسه. بينما العالم من حوله يقيس اللحظات بالنتائج والتحليلات والإحصائيات، هو لا يملك حتى لحظة يطلق عليها اسم “الآن”.

ومع كل مباراة جديدة، تتجدد الأسئلة الصامتة: كيف يمكن لمدينة واحدة أن تجمع بين هذا البذخ العاطفي في التشجيع، وهذا الصمت الإنساني تجاه من فقدوا كل شيء؟ كيف يمكن للاحتفال أن يكون بهذه القوة، بينما الألم ينام على بعد أمتار فقط دون أن يراه أحد؟

إنها ليست مفارقة عابرة، بل صورة متكررة لعالم يتسع فيه الفرح بسرعة، بينما يتسع فيه النسيان أسرع. كرة القدم هنا تتحول إلى مرآة، لا تُظهر فقط مهارة اللاعبين، بل تكشف أيضاً حدود التعاطف البشري حين ينشغل الجمهور بالصورة وينسى ما خارج الإطار.

وفي النهاية، يبقى ذلك المتشرد نائماً بجانب المقهى، كأنه علامة استفهام مفتوحة في نص كبير اسمه الحياة، بينما يستمر العالم في التصفيق، وكأن شيئاً لا يحدث خارج الشاشات.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment