هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج تواصل استنزاف الكفاءات وتفاقم تحديات المنظومة الصحية

المحور الصحفي // سكينة الفحل

تواصل هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج فرض نفسها كأحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية الوطنية، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تنزيل إصلاحات كبرى في قطاع الصحة وتعميم الحماية الاجتماعية، وهي أوراش تتطلب تعزيز الموارد البشرية الطبية وضمان استقرار الكفاءات داخل المؤسسات الصحية.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، من بينها تحسين أجور الأطباء، وتقليص مدة الدراسة بكليات الطب إلى ست سنوات، والرفع من الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الجامعية، وإحداث كليات جديدة، إلى جانب إصدار قانون يهدف إلى تسهيل التحاق الأطباء المغاربة المقيمين بالخارج والأطباء الأجانب بالمنظومة الصحية الوطنية، فإن وتيرة هجرة الأطباء ما تزال مرتفعة.

وفي المقابل، تواصل عدة دول، من بينها فرنسا وبلجيكا وألمانيا وكندا، استقطاب الأطباء المغاربة بفضل جودة تكوينهم، مع توفير حوافز مهنية ومادية، وتسهيل معادلة الشهادات، وإتاحة فرص استكمال التخصص والاندماج السريع في أسواق الشغل.

وأكد رئيس الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، محمدين بوبكري، أن المغرب يفقد سنوياً ما بين 600 و700 طبيب بسبب الهجرة، مشيراً إلى أن عدد الأطباء الممارسين داخل المملكة لا يتجاوز 32 ألف طبيب، وهو رقم يعادل تقريباً حجم الخصاص الذي تعاني منه المنظومة الصحية.

وأوضح أن أكثر من 20 ألف طبيب مغربي يمارسون مهنتهم خارج المملكة، معتبراً أن ذلك يعكس حجم الطلب الدولي على الكفاءات الطبية المغربية، في حين لم تحقق الإجراءات الرامية إلى استقطاب الأطباء المغاربة المقيمين بالخارج النتائج المرجوة إلى حدود الآن.

وأضاف أن عدداً من الدول الأجنبية تواصل تقديم تسهيلات مهمة للأطباء المغاربة، سواء من خلال تسريع معادلة الشهادات أو توفير فرص مباشرة لممارسة المهنة واستكمال التخصص في ظروف مهنية أفضل.

ويرى مهنيون أن قرار الهجرة لا يرتبط بالأجور فقط، بل يتأثر أيضاً بظروف ممارسة المهنة وبيئة العمل وآفاق التطور العلمي والمهني.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، علي لطفي، أن المستشفيات العمومية تعاني من خصاص كبير في الموارد البشرية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط العمل، وتزايد ساعات المداومة، إضافة إلى الاكتظاظ الذي تعرفه المؤسسات الصحية.

وأشار إلى أن عدداً من المستشفيات يواجه مشكلات مرتبطة بتقادم أو تعطل التجهيزات الطبية، فضلاً عن الانقطاع المتكرر لبعض الأدوية والمستلزمات الأساسية، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات الصحية وظروف اشتغال الأطباء.

وأضاف أن طول سنوات التكوين، التي تمتد إلى ست سنوات بالنسبة للتكوين الأساسي، تليها سنوات إضافية للتخصص، لا يقابله، حسب تعبيره، مستوى مناسب من الأجور والتعويضات مقارنة بحجم المسؤولية المهنية.

وأكد أن العديد من الأطباء يقارنون أوضاعهم المهنية بما توفره الدول الأوروبية من استقرار وظيفي، وإمكانيات للبحث العلمي، والتكوين المستمر، وفرص التطور المهني، وهو ما يدفع عدداً منهم إلى التفكير في الهجرة منذ سنوات الدراسة الأولى.

واعتبر محمدين بوبكري أن الإصلاحات التي أطلقتها الدولة تشكل خطوة مهمة لمعالجة الخصاص، مؤكداً أن توسيع شبكة كليات الطب والرفع من عدد الطلبة المقبولين سنوياً سيسهمان في تكوين أعداد أكبر من الأطباء خلال السنوات المقبلة.

وأضاف أن تعزيز فرص التكوين والتخصص داخل المغرب من شأنه أن يحد تدريجياً من هجرة الكفاءات، متوقعاً أن تبدأ نتائج هذه الإصلاحات في الظهور خلال أربع إلى خمس سنوات.

في المقابل، يرى علي لطفي أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تُواكب بإصلاح شامل لبيئة العمل داخل المؤسسات الصحية، يشمل تعزيز الموارد البشرية، وتحديث التجهيزات، وضمان توفر الأدوية، وتحسين نظام التعويضات والترقي والتكوين المستمر.

كما دعا إلى تحسين أوضاع الممرضين وباقي مهنيي الصحة، محذراً من أن استمرار استقطاب الكفاءات المغربية من طرف الخارج قد يؤثر سلباً على قدرة المنظومة الصحية الوطنية على مواكبة الإصلاحات الكبرى وتحقيق أهداف تعميم الحماية الاجتماعية، مؤكداً أن الحفاظ على هذه الكفاءات يمثل رهاناً استراتيجياً بالنظر إلى الاستثمارات التي تخصصها الدولة لتكوينها.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment