خبراء يدعون إلى ترسيخ ثقافة التحكيم والوساطة لتعزيز العدالة وجاذبية الاستثمار بالمغرب

المحور الصحفي // هيئة التحرير
أكد قضاة ومحامون وخبراء في مجالي التحكيم والوساطة أن التحدي المطروح اليوم بالمغرب لم يعد مرتبطاً بإصدار تشريعات جديدة لتنظيم وسائل تسوية المنازعات البديلة، بل يكمن في حسن تنزيل الإصلاحات القانونية المعتمدة وتوسيع اعتمادها داخل المنظومة القضائية والاقتصادية والأكاديمية، بما يساهم في تعزيز النجاعة القضائية وتقوية جاذبية المملكة للاستثمار.
وجاءت هذه الخلاصات خلال ندوة احتضنتها مدينة الدار البيضاء، خُصصت لمناقشة مستقبل التحكيم والوساطة باعتبارهما من أبرز الآليات البديلة لتسوية النزاعات، حيث أجمع المشاركون على أن الإطار القانوني المغربي عرف تطوراً ملحوظاً، غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الوسائل إلى ممارسة مؤسساتية يومية داخل المحاكم والمقاولات ومختلف الفاعلين الاقتصاديين.
وفي افتتاح أشغال الندوة، أكد عبد اللطيف وردان، المستشار بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء وعضو المكتب المركزي لودادية قضاة المغرب، أن التحكيم والوساطة لم يعودا مجرد بديل للقضاء التقليدي، بل أصبحا يشكلان آليتين مكملتين لمنظومة العدالة، تواكبان التحولات الاقتصادية وتدعمان الثقة في البيئة القانونية.
وأوضح أن هاتين الآليتين توفران حلولاً أكثر سرعة ومرونة، خاصة في المنازعات التجارية والاقتصادية، مع الحفاظ على العلاقات المهنية بين الأطراف، مشدداً على ضرورة تعزيز التعاون بين المؤسسات القضائية والمهنيين والهيئات المتخصصة لتطوير هذا المجال، ومبرزاً أن اللجوء إلى الوساطة والتحكيم يخفف الضغط عن المحاكم ويتيح لها التركيز على القضايا التي تستوجب الحسم القضائي.
من جانبه، اعتبر عبد اللطيف آيت بوجبير، نائب رئيس نادي المحامين بالمغرب، أن المستثمرين يبحثون أساساً عن منظومة قانونية توفر السرعة والوضوح والأمن القانوني، مشيراً إلى أن التحكيم والوساطة يسهمان في تقليص آجال البت في النزاعات وتعزيز الثقة في مناخ الأعمال.
وأضاف أن النظرة إلى وسائل تسوية النزاعات البديلة شهدت تحولاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من حلول هامشية إلى مكون أساسي داخل المنظومة القضائية والاقتصادية، داعياً المقاولات إلى إدراج بنود الوساطة والتحكيم ضمن عقودها منذ البداية، بدل اللجوء إليها بعد تفاقم الخلافات.
وفي السياق ذاته، أوضحت منال رباج، رئيسة المعهد المغربي للوساطة والتحكيم، أن القانون رقم 95.17 شكل محطة مهمة في تنظيم هذا المجال، معتبرة أن التحديات الحالية لم تعد ذات طابع تشريعي، وإنما ترتبط بنشر الثقافة القانونية والتطبيق العملي.
وأكدت أن نجاح هذا الورش يقتضي تكوين القضاة والمحامين والمستشارين القانونيين، إلى جانب تحسيس المقاولات بأهمية الوساطة والتحكيم، وتعميم إدراج بنود الوساطة في العقود التجارية، فضلاً عن تعزيز حضور هذه الآليات في برامج كليات الحقوق، بما يرسخ ثقافة اللجوء إلى الحلول التوافقية منذ المراحل الأولى للنزاعات.
من جهته، شدد ستيفان بنسيمون، الخبير في الوساطة ومدير معهد التكوين في الوساطة والتفاوض (IFOMENE)، على أن الوساطة لا تهدف إلى تعويض القضاء، بل إلى استكمال دوره، موضحاً أن القضاء يفصل في النزاعات وفق النصوص القانونية، بينما تتيح الوساطة التوصل إلى حلول توافقية تراعي مصالح جميع الأطراف وتحافظ على العلاقات المهنية والتجارية.
وأشار إلى أن الوساطة تساهم في تقليص كلفة النزاعات وتسريع معالجتها، كما توفر فضاءً للحوار لا توفره المساطر القضائية التقليدية، لافتاً إلى أن جزءاً مهماً من نشاطه المهني أصبح يركز على مواكبة عمليات إعادة الهيكلة والاندماج داخل المؤسسات، بهدف الوقاية من النزاعات قبل وقوعها.
واستعرض بنسيمون ما يعرف بـ”نظرية جبل الجليد”، موضحاً أن القضاء يعالج الجوانب القانونية الظاهرة للنزاع، في حين تمكن الوساطة من معالجة الأسباب الاقتصادية والإنسانية والعلاقات الشخصية التي تقف وراء العديد من الخلافات.
وفي ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن الوساطة والتحكيم لا يصلحان لجميع أنواع النزاعات، إذ تظل بعض القضايا بحاجة إلى الفصل القضائي، غير أنهم أكدوا أن هاتين الآليتين أصبحتا تتجاوزان دورهما التقليدي في تسوية النزاعات لتتحولا تدريجياً إلى أدوات للحكامة والوقاية من المخاطر داخل المقاولات والمؤسسات، بما يعزز استقرار المعاملات الاقتصادية ويرفع من ثقة المستثمرين في مناخ الأعمال بالمغرب.
مقالات ذات صلة
بنك المغرب ومصرف الإمارات المركزي يعززان التعاون لتطوير منظومة المالية الإسلامية
بورصة الدار البيضاء تفتتح تداولات الثلاثاء على ارتفاع طفيف ومؤشر مازي يلامس 16.948 نقطة
بورصة الدار البيضاء ترتفع.. مؤشر «مازي» يربح 0,94% ورسملة السوق تبلغ 998 مليار درهم
المغرب يعزز صناعة الأدوية بالقنب الهندي.. «فارما 5» تعرض دواءً لعلاج الصرع في ميلانو
نوبل للاقتصاد 2026.. تتويج أمريكيين عن أبحاث استقرار الاقتصاد الكلي


Comments ( 0 )