إسبانيا تستعد لكسوف كلي نادر.. ظاهرة فلكية مرتقبة تنعش السياحة بملايين الزوار

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي 

تستعد إسبانيا لاستقبال كسوف كلي نادر للشمس يوم 12 غشت 2026، في ظاهرة فلكية استثنائية يُرتقب أن تستقطب ملايين الزوار وتحقق عائدات سياحية ضخمة، بعدما أصبحت مناطق عدة داخل البلاد وجهة مفضلة للراغبين في متابعة هذا الحدث النادر.

ويكتسي الكسوف المرتقب أهمية خاصة، باعتباره أول كسوف كلي للشمس يمكن مشاهدته من إسبانيا منذ أكثر من قرن، إذ يعود آخر حدث مماثل إلى 15 أبريل 1912، عندما شهدت مناطق في شمال البلاد كسوفا كليا دام لثوان معدودة، ووصف شهود عيان آنذاك أجواء غريبة تزامنت مع انخفاض الحرارة وتغير سلوك الحيوانات.

وتستعد إسبانيا، خلال السنوات المقبلة، لاستقبال ثلاث ظواهر فلكية متتالية، تبدأ بالكسوف الكلي في 12 غشت 2026، يليه كسوف كلي آخر في 2 غشت 2027، ثم كسوف حلقي في 26 يناير 2028، وهو ما يجعل هذه الفترة واحدة من أبرز المحطات الفلكية في أوروبا خلال القرن الحادي والعشرين.

ومن المنتظر أن يعبر مسار الكسوف الكلي الأراضي الإسبانية من شمال غرب غاليسيا وصولا إلى جزر البليار، ضمن شريط يبلغ عرضه نحو 293 كيلومترا، بينما ستشهد مناطق أخرى، من بينها مدريد وسالامانكا، كسوفا جزئيا عميقا دون الوصول إلى مرحلة الكلية.

وبحسب المعطيات الفلكية، سيدخل مسار الكسوف الأراضي الإسبانية حوالي الساعة السابعة و27 دقيقة مساء، قبل أن يغادرها من جهة جزر البليار قرابة الساعة الثامنة و35 دقيقة مساء، فيما لن تتجاوز مدة مرحلة الكلية دقيقة واحدة و48 ثانية في أي نقطة داخل إسبانيا.

ويتميز الكسوف الكلي بتغيرات واضحة في البيئة المحيطة، إذ تنخفض الإضاءة بشكل مفاجئ وتتراجع درجات الحرارة، فيما قد تتغير سلوكيات بعض الحيوانات والطيور التي تتعامل مع الظلام المفاجئ كما لو أن الليل قد حل. كما يمكن للمشاهدين خلال مرحلة الكلية رؤية بعض الأجرام السماوية التي لا تظهر عادة في وضح النهار.

وفي المقابل، يحذر المختصون من النظر مباشرة إلى الشمس خلال مراحل الكسوف الجزئي، لما قد يسببه ذلك من أضرار خطيرة للشبكية. ولذلك يتعين استعمال نظارات فلكية معتمدة تستجيب للمعيار الدولي ISO 12312-2:2015، مع التأكيد على أن خلع النظارات لا يكون آمنا إلا خلال مرحلة الكلية الكاملة.

ولا تقتصر أهمية هذا الحدث على الجانب العلمي والفلكي، إذ تراهن إسبانيا أيضا على عائداته الاقتصادية والسياحية. فقد توقعت الشبكة الإسبانية للتنمية الريفية أن تحقق ثلاثية الكسوفات المرتقبة أثرا اقتصاديا يقارب مليار و400 مليون يورو، خصوصا في المناطق الداخلية التي لا تستفيد عادة من التدفقات السياحية الكبيرة مقارنة بالمدن والمناطق الساحلية.

وفي هذا السياق، يتوقع أن تستفيد مقاطعات مثل سورّيا وغوادالاخارا وترويل، إلى جانب مناطق واسعة من غاليسيا وقشتالة وليون وأستورياس وكانتابريا وإقليم الباسك ونافارا وأراغون وقشتالة لا مانشا، من موجة سياحية استثنائية خلال فترة الكسوف.

كما تشير المعطيات السياحية إلى ارتفاع كبير في الطلب على الإقامة، حيث سجلت بعض المناطق الداخلية في إقليم فالنسيا، ولا سيما كاستيون، زيادة مهمة في الحجوزات، بينما يتوقع أن يستقبل إقليم قشتالة وليون وحده نحو مليوني زائر لمتابعة الظاهرة.

وتراهن السلطات المحلية على استثمار هذا الاهتمام العالمي للتعريف بالمناطق الأقل استقطابا للسياح الأجانب، وتحويل الكسوف من مجرد حدث فلكي عابر إلى فرصة لتعزيز السياحة الداخلية والريفية وتنشيط الاقتصاد المحلي.

ويستند العلماء في تحديد موعد ومسار الكسوفات إلى قوانين حركة الأرض والقمر والشمس، إضافة إلى الحسابات الفلكية والنماذج الحاسوبية التي تسمح بالتنبؤ بمواعيد هذه الظواهر بدقة كبيرة. كما تساعد دراسة الكسوفات التاريخية على فهم دوراتها المتكررة، ومن أبرزها دورة ساروس التي تمتد لنحو 18 عاما و11 يوما وثماني ساعات.

وبينما يستعد ملايين الأشخاص لمتابعة الكسوف من الأراضي الإسبانية، ستوفر وكالة الفضاء الأوروبية بثا مباشرا للحدث من المرصد الفلكي في خافالامبره بمقاطعة ترويل، إلى جانب تنظيم فعاليات مجانية للمشاهدة العامة في مدينة ليون.

وهكذا، لا تبدو إسبانيا مقبلة فقط على موعد فلكي نادر، بل على حدث يجمع بين العلم والسياحة والاقتصاد، في وقت تستعد فيه مناطق واسعة من البلاد لاستقبال زوار من مختلف أنحاء العالم لمتابعة دقائق قليلة من الظلام الذي سيحوّل سماء صيف 2026 إلى مشهد استثنائي.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment