رغم صعود الدفع الرقمي.. لماذا يتمسك الأوروبيون بالنقد؟

المحور الصحفي // هيئة التحرير
رغم الانتشار المتسارع لوسائل الدفع الإلكتروني والاعتماد المتزايد على الهواتف الذكية في إنجاز المعاملات اليومية، لا يبدو أن الأوروبيين يتجهون إلى التخلي عن النقد بالوتيرة التي كان متوقعاً لها، إذ يواصل حجم الأوراق النقدية المتداولة الارتفاع، في مفارقة تعكس تحولاً لافتاً في وظيفة المال النقدي داخل الاقتصادات الأوروبية.
وبحلول عام 2025، بلغ عدد أوراق اليورو المتداولة حول العالم نحو 31 مليار ورقة، فيما ارتفعت القيمة الإجمالية للأوراق النقدية المتداولة من حوالي 1.1 تريليون يورو سنة 2016 إلى نحو 1.6 تريليون يورو في يونيو 2026، وفق بيانات البنك المركزي الأوروبي. ويأتي ذلك في وقت يتراجع فيه استخدام النقد في عدد كبير من المعاملات اليومية لصالح وسائل الدفع الإلكترونية.
وبحسب معطيات نقلتها صحيفة “الغارديان” عن فيليب لين، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فإن هذا التناقض أصبح واضحاً في معظم الدول الأوروبية، حيث يتراجع استعمال النقد في عمليات الشراء، بينما يستمر مخزون الأوراق النقدية في الارتفاع.
ويرتبط هذا الاتجاه، وفق خبراء، بتزايد المخاوف من الأزمات والحروب والكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية التي يمكن أن تؤدي إلى تعطيل البنية التحتية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني، الأمر الذي يدفع الأسر إلى الاحتفاظ بمبالغ نقدية تحسباً لأي طارئ.
وتعززت هذه المخاوف بعد عدد من الحوادث التي كشفت هشاشة بعض الأنظمة الرقمية، من بينها الهجمات السيبرانية التي طالت مؤسسات وشركات كبرى وأثرت في قدرتها على تقديم خدماتها بشكل طبيعي.
وفي السياق ذاته، شجعت السلطات الأوروبية المواطنين خلال عام 2025 على الاستعداد للطوارئ من خلال الاحتفاظ بالمؤن الأساسية لمدة لا تقل عن 72 ساعة، في مواجهة سيناريوهات تشمل الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات والأزمات الصحية والهجمات السيبرانية وتعطل الخدمات الحيوية. وكان النقد من بين العناصر التي جرى إدراجها ضمن مستلزمات الاستعداد للطوارئ.
وتشير البيانات التاريخية إلى أن عدد أوراق اليورو بلغ نحو 24 مليار ورقة في نهاية عام 2019، بقيمة تجاوزت 1.29 تريليون يورو، قبل أن يواصل الارتفاع خلال السنوات اللاحقة.
وتظل ورقة الـ50 يورو الأكثر انتشاراً من حيث العدد، تليها ورقة الـ100 يورو، وهو ما يعكس، بحسب الخبراء، تغيراً تدريجياً في وظيفة النقد، من وسيلة مباشرة لإتمام عمليات الشراء إلى أداة للاحتفاظ بالقيمة والادخار، خصوصاً خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وهكذا، فإن ارتفاع حجم النقد المتداول لا يعني بالضرورة أن الأوروبيين يستخدمونه أكثر في حياتهم اليومية، بل قد يعني أنهم يحتفظون به أكثر تحسباً للمستقبل.
ويرى خبراء أن الاحتفاظ بالنقد كوسيلة للطوارئ لا ينبغي أن يؤدي إلى إخراجه من الحياة اليومية بشكل كامل. وفي هذا السياق، حذرت أوليف مكارثي، الأستاذة في جامعة كوليدج كورك والباحثة في مجال الشمول المالي، من أن تحول النقد إلى وسيلة احتياطية لا تُستخدم إلا أثناء الأزمات قد يضعف مكانته ويجعل الوصول إليه أكثر صعوبة عندما تشتد الحاجة إليه.
وتبرز هنا إشكالية أخرى تتعلق بضرورة الحفاظ على البنية التحتية التي تتيح الوصول إلى النقد، خصوصاً أجهزة الصراف الآلي والخدمات البنكية التقليدية، في ظل تسارع التحول نحو الاقتصاد الرقمي.
وقد بدأت دول أوروبية عدة، من بينها النمسا وفنلندا وألمانيا والسويد وهولندا، في تشجيع الأسر على الاحتفاظ بمبالغ نقدية تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لمدة 72 ساعة في حال تعطل أنظمة الدفع الإلكتروني.
ولا تقتصر أهمية النقد على قدرته على العمل في حالات انقطاع الخدمات الرقمية، إذ يؤدي أيضاً وظيفة اجتماعية واقتصادية تتصل بالشمول المالي. فهناك فئات من المجتمع، خصوصاً كبار السن وبعض الفئات الهشة، قد تواجه صعوبة في استخدام الخدمات المالية الرقمية، ما يجعل النقد وسيلة أكثر سهولة واستقلالية بالنسبة إليها.
كما يمكن للنقد أن يوفر هامشاً من الاستقلال المالي في بعض الحالات الاجتماعية الحساسة، فضلاً عن دوره في تعليم الأطفال مبادئ الإنفاق والادخار وإدارة الميزانية.
وبذلك، يبدو أن أوروبا لا تسير نحو اختفاء النقد بقدر ما تعيد تعريف وظيفته. فبينما تتقدم المدفوعات الرقمية بسرعة، يحتفظ النقد بمكانته باعتباره وسيلة دفع، واحتياطاً للأزمات، وأداة للشمول المالي، بل ووسيلة للحفاظ على قدر من الاستقلال المالي في عالم تزداد فيه الخدمات ارتباطاً بالأنظمة الرقمية.
وفي النهاية، تكشف هذه المفارقة أن مستقبل النقد الأوروبي قد لا يكون مرتبطاً بحجم استخدامه في المتاجر فقط، وإنما بقدرته على البقاء كشبكة أمان عندما تتعطل التكنولوجيا أو تهتز الثقة في الأنظمة الرقمية.
مقالات ذات صلة
بنك المغرب ومصرف الإمارات المركزي يعززان التعاون لتطوير منظومة المالية الإسلامية
بورصة الدار البيضاء تفتتح تداولات الثلاثاء على ارتفاع طفيف ومؤشر مازي يلامس 16.948 نقطة
بورصة الدار البيضاء ترتفع.. مؤشر «مازي» يربح 0,94% ورسملة السوق تبلغ 998 مليار درهم
المغرب يعزز صناعة الأدوية بالقنب الهندي.. «فارما 5» تعرض دواءً لعلاج الصرع في ميلانو
نوبل للاقتصاد 2026.. تتويج أمريكيين عن أبحاث استقرار الاقتصاد الكلي


Comments ( 0 )