مرضى السرطان في غزة.. العلاج يتحول إلى رحلة انتظار والمغادرة تصبح طوق نجاة

المحور الصحفي // هيئة التحرير

يواجه نحو 11 ألف مريض بالسرطان في قطاع غزة أوضاعا صحية وإنسانية بالغة الصعوبة، في ظل حرمان عدد كبير منهم من العلاج التخصصي والفحوص التشخيصية، بينما ينتظر نحو 4 آلاف مريض ممن حصلوا على تحويلات طبية للعلاج خارج القطاع السماح لهم بالسفر، في وقت خرجت فيه مراكز متخصصة عن الخدمة وتعطلت أجهزة أساسية للتشخيص ونفدت أدوية ضرورية لعلاج الأورام.

وبذلك، لم تعد رحلة علاج السرطان بالنسبة لآلاف المرضى مرتبطة فقط بقدرتهم على الوصول إلى الدواء أو المستشفى، بل أصبحت مرتبطة أيضا بفرصة مغادرة القطاع والحصول على الرعاية الطبية التي لم تعد متاحة داخله.

ومن بين هذه الحالات، يعيش محمد الترك معاناة مضاعفة بعدما أصيب بورم سرطاني ومشكلة في الدماغ أثرت، بحسب ما أبلغه الأطباء، على العصب البصري، ما أدى إلى تراجع النظر في إحدى عينيه. ويقول الترك إنه ينتظر منذ فترة إجراء فحص بالرنين المغناطيسي وتدخلا جراحيا خارج غزة، غير أن سفره لم يتم حتى الآن، فيما يؤكد أن العلاجات التي يحتاجها لا تتوفر لا في المستشفيات ولا في الصيدليات.

وتختصر حالة الترك جزءا من معاناة آلاف المرضى في القطاع، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة في 21 يوليوز 2026 أن عدد مرضى السرطان يناهز 11 ألفا، بينهم نحو 4 آلاف يتوفرون على تحويلات طبية للعلاج في الخارج وما زالوا ينتظرون السفر، فيما كانت الوزارة قد أشارت في فبراير الماضي إلى أن بعض المرضى ينتظرون منذ أكثر من عامين.

وتزداد صعوبة الوضع بسبب تراجع القدرة على التشخيص والمتابعة الطبية، الأمر الذي يجعل تحديد العدد الفعلي الحالي للمصابين بالسرطان أمرا بالغ التعقيد. وتشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن قطاع غزة كان يسجل قبل الحرب أكثر من ألفي حالة سرطان جديدة سنويا، من بينها 122 حالة لدى الأطفال.

وفي موازاة ذلك، تعرضت البنية الصحية المتخصصة في علاج الأورام لضربات كبيرة، إذ كان مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني يمثل المؤسسة الوحيدة المتخصصة في علاج السرطان داخل القطاع، قبل أن يخرج عن الخدمة في نوفمبر 2023 بسبب نفاد الوقود والأضرار التي لحقت به، ثم تعرض للتدمير في مارس 2025.

كما خرج مستشفى غزة الأوروبي عن الخدمة بعد تعرضه لهجوم في مايو 2025، وهو مستشفى كان يقدم عددا من الخدمات التخصصية، من بينها علاج السرطان وجراحات الأعصاب والقلب، ما أدى إلى تضييق هامش الخيارات العلاجية المتاحة أمام المرضى.

ولم يتوقف الأمر عند تضرر المستشفيات، بل امتد إلى الأدوية والمستلزمات الطبية، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة في غشت الجاري أن أدوية السرطان وأمراض الدم تتصدر قائمة العجز الدوائي بنسبة بلغت 61 في المائة، في حين وصل العجز العام في الأدوية إلى 47 في المائة، والمستهلكات الطبية إلى 58 في المائة، بينما بلغ النقص في مواد الفحوص المخبرية 85 في المائة.

كما أفادت الوزارة بنفاد أصناف من العلاجات الكيميائية والأدوية الداعمة، مؤكدة توقف عدد من بروتوكولات علاج سرطانات الثدي والقولون والمستقيم والجهاز الهضمي والرأس والرقبة والأورام اللحمية، فضلا عن عدم قدرة أقسام الأورام على استقبال حالات جديدة من مرضى سرطان الثدي.

وتشمل أزمة النقص أيضا بعض الأدوية والحقن الضرورية لدعم المناعة بعد العلاج الكيميائي، إلى جانب المسكنات وأدوية الرعاية التلطيفية، في وقت أصبحت فيه أجهزة أساسية للتشخيص والمتابعة، مثل الرنين المغناطيسي والماموغرافيا، غير متاحة بصورة كافية.

وتتجسد هذه الأزمة كذلك في قصة ألماظة أبو هنية، المصابة بسرطان الثدي، والتي خضعت لعملية جراحية في مستشفى ناصر بخان يونس، قبل أن تتلقى العلاج الإشعاعي والكيميائي خارج القطاع، لتكتشف لاحقا امتداد المرض إلى فقرات أسفل الظهر.

وبعد أن سافرت قبل الحرب إلى نابلس لإجراء الفحوص والمتابعة، وجدت نفسها اليوم في انتظار تحويلة جديدة للعلاج خارج غزة، فيما أصبح الألم جزءا من حياتها اليومية، وسط صعوبة الحصول حتى على بعض المسكنات، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين حاجة المرضى للعلاج والإمكانات المتوفرة أمامهم.

وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بعلاجات السرطان التي تعتمد على دورات ومواعيد دقيقة ترتبط بنوع الورم ومرحلته ومدى استجابة الجسم للعلاج، إذ إن انقطاع الدواء أو تأخر الفحوص قد يعرقل قدرة الأطباء على تقييم تطور المرض واتخاذ القرارات العلاجية المناسبة في الوقت المناسب.

كما أن الحاجة إلى العلاج خارج غزة ليست وليدة الحرب وحدها، فقد كان العديد من مرضى السرطان يعتمدون قبلها على التحويلات الطبية إلى مستشفيات خارج القطاع من أجل العلاج الإشعاعي وبعض العمليات والفحوص التخصصية، غير أن الحرب ضاعفت الحاجة إلى هذه الخدمات في وقت أصبحت فيه إجراءات الخروج أكثر تعقيدا.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الحصول على تحويلة طبية لا يعني بالضرورة ضمان الإجلاء، إذ تمر العملية بعدة مراحل تبدأ بتقييم الحالة الطبية، ثم إحالتها إلى المنظمة التي تبحث عن دولة مستقبلة، وبعد الموافقة تبدأ إجراءات الحصول على الموافقات الأمنية وترتيب عملية الخروج.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، فإن آلاف المرضى ما زالوا ينتظرون استكمال هذه الإجراءات، إذ أشارت في يونيو الماضي إلى أن نحو 3 آلاف حالة كانت تنتظر الموافقات اللازمة للسفر ضمن كشوفات أرسلت منذ فبراير 2026.

وفي المقابل، تشير أحدث أرقام منظمة الصحة العالمية إلى أن 12,913 مريضا غادروا غزة للإجلاء الطبي منذ أكتوبر 2023 وحتى 11 غشت 2026، بينهم 6,186 طفلا، فيما يقدر عدد المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج التخصصي أو الجراحة خارج القطاع بأكثر من 21,800 شخص، وفقا لتقدير مؤسسة الإغاثة الطبية في غزة.

وبينما تتواصل قوائم الانتظار، تتدهور أوضاع مرضى آخرين داخل القطاع، ومن بينهم محمد البشليقي الذي تحولت رحلة علاجه إلى سلسلة من التنقل بين المستشفيات والبحث المستمر عن الأدوية. فقد بدأت معاناته بآلام وصعوبات في التبول والتبرز، قبل أن يتم تشخيص إصابته بالسرطان بعد إجراء الفحوص والخزعة.

وبعد بدء العلاج الكيميائي، تقول زوجته إن المرض امتد إلى مناطق في الحوض والجهاز البولي والتناسلي، وإنه أصبح يعاني نزيفا متكررا وصعوبة في التبول والتبرز وضعفا شديدا وفقدانا للشهية، بينما تواجه الأسرة في كل مرة مشكلة جديدة مرتبطة بنقص الأدوية والمسكنات وبعض المواد الغذائية الطبية.

ومع تزايد معاناة المرضى، تبرز أيضا مخاوف بشأن ارتفاع الوفيات المرتبطة بتأخر العلاج. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة في غشت الجاري أن نحو ثلاثة مرضى بالسرطان يموتون يوميا بسبب غياب العلاج التخصصي، فيما نقلت رويترز عن أطباء في غزة تقديرات تفيد بأن معدل وفيات مرضى السرطان أصبح أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات، في ظل غياب قاعدة بيانات مكتملة تسمح بقياس الزيادة في وفيات مرضى السرطان خلال الحرب بدقة.

وهكذا، تختصر قصص محمد الترك وألماظة أبو هنية ومحمد البشليقي مأساة آلاف المرضى الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية، علاج محدود داخل القطاع، وأدوية شحيحة، وفحوص تشخيصية غير متاحة، وتحويلات طبية لا تعني بالضرورة السفر.

وبينما يستمر المرض في التقدم، يبقى الانتظار هو العنوان الأبرز لرحلة آلاف مرضى السرطان في غزة، حيث أصبح الوصول إلى العلاج مرتبطا في كثير من الحالات بإمكانية مغادرة القطاع، في وقت لا ينتظر فيه المرض اكتمال الإجراءات ولا تسمح فيه الحالات الحرجة بمزيد من التأخير.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment