حرب واشنطن وطهران تهز سوق الوقود العربي.. دول تثبّت الأسعار وأخرى تواجه صدمة الاستيراد

المحور الصحفي //
لم تعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في ساحات المواجهة العسكرية، بعدما امتدت ارتداداتها إلى أسواق الطاقة العالمية، وفي مقدمتها سوق الوقود في الدول العربية، التي وجدت نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع المخاطر التي تحيط بإمدادات النفط، واستنزاف المخزونات العالمية من الديزل والمشتقات النفطية المكررة.
وتسببت الضربات المتبادلة التي طالت ناقلات النفط ومنشآت الطاقة والبنية التحتية القريبة من الممر البحري الحيوي في إرباك جزء مهم من حركة التجارة، خصوصاً أن مضيق هرمز يمثل ممراً رئيسياً لجزء كبير من إمدادات النفط العالمية. ومع ارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية، انعكس الضغط على تكلفة النقل والتأمين والتكرير، قبل أن تنتقل آثاره تدريجياً إلى أسعار الوقود في عدد من الأسواق العربية.
وبحسب بيانات أسعار البنزين الواردة في التقرير، حتى 31 غشت 2026، فإن الفوارق بين أسعار المحروقات في الدول العربية لا ترتبط فقط بمستوى أسعار النفط العالمية، وإنما تعكس أيضاً طبيعة كل اقتصاد، ومدى اعتماده على الاستيراد أو الإنتاج المحلي، إضافة إلى حجم الدعم الحكومي وقدرة الموازنات العامة على تحمل الصدمات.
وفي منطقة الخليج، بدت المفارقة أكثر وضوحاً، إذ تعرضت دول منتجة للنفط، من بينها السعودية والكويت والإمارات، لضغوط مباشرة نتيجة استهداف منشآت ومنشآت طاقة حيوية، ما تسبب في اضطرابات تشغيلية وفرض قيود على بعض عمليات التكرير والإنتاج.
وتشير بيانات مرصد النزاع المسلح «ACLED» إلى أن منشآت النفط والغاز ومحطات الطاقة شكلت نحو 48 في المائة من إجمالي الضربات التي استهدفت الأهداف غير العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي الست منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، وهو ما يعكس حجم تعرض البنية التحتية للطاقة لمخاطر مباشرة خلال هذه الأزمة.
وشملت الهجمات، وفق المعطيات الواردة في التقرير، مواقع حيوية بينها مصفاتا ميناء عبدالله وميناء الأحمدي في الكويت، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 730 ألف برميل يومياً، ومصفاة بابكو في البحرين، إضافة إلى مدينة الرويس الصناعية ومجمع حبشان للغاز في الإمارات، ومجمع بقيق في السعودية. كما أدت الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت إلى اضطرابات تشغيلية وإجراءات احترازية شملت إغلاق منشآت مرتبطة بالطاقة.
ومع ذلك، فإن التعرض المباشر للصدمات لم يؤد بالضرورة إلى انتقالها بنفس الدرجة إلى المستهلكين، إذ اختارت سبع دول عربية، هي ليبيا والجزائر والعراق والكويت والسعودية والبحرين وسلطنة عمان، الحفاظ على استقرار أسعار الوقود، مستفيدة من سياسات الدعم أو التسعير المنظم أو آليات المراجعة المحدودة للأسعار.
وتختلف درجة تدخل الحكومات من دولة إلى أخرى، فبينما تعتمد ليبيا والجزائر على دعم واسع النطاق، تلجأ دول أخرى مثل العراق والسعودية إلى آليات للتسعير المنظم، في حين تعتمد الكويت والبحرين على مراجعات دورية محدودة، غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في محاولة عزل المستهلك المحلي عن جزء من تقلبات الأسواق العالمية.
ويأتي هذا الخيار، في المقابل، بتكلفة مالية على الموازنات العامة، خصوصاً عندما ترتفع أسعار النفط والمشتقات في الأسواق الدولية، إذ تتحول الزيادة الخارجية إلى عبء إضافي على الدولة إذا قررت الإبقاء على الأسعار المحلية دون تغيير.
أما الدول العربية المستوردة للطاقة، فتبدو أمام هامش أضيق للمناورة، بسبب اعتمادها بدرجات متفاوتة على الأسواق الخارجية. ففي لبنان، حيث لا تتوفر مخزونات استراتيجية كافية ولا دعم حكومي واسع لأسعار الوقود، تنتقل تقلبات الأسواق الدولية بصورة أسرع إلى المستهلكين، ما يجعل ارتفاع كلفة الطاقة أكثر وضوحاً في السوق المحلية.
وفي الأردن، اتجهت السلطات إلى الاستفادة من المخزونات الاستراتيجية والاحتياطيات المتاحة لمواجهة تداعيات الأزمة، في محاولة لتأمين الإمدادات والحد من انتقال الصدمة الخارجية إلى السوق المحلية.
أما المغرب، فيختلف وضعه عن الدول العربية المنتجة للنفط، باعتباره يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد حاجياته من الطاقة، وهو ما يجعله أكثر ارتباطاً بتطورات الأسعار الدولية. وفي مواجهة ارتفاع كلفة المحروقات، اتجهت السلطات إلى دعم قطاع النقل بهدف تخفيف جزء من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود على المهنيين والأسعار والخدمات.
وتكشف هذه المعطيات أن ارتفاع أسعار الوقود في العالم العربي لا تحكمه قاعدة واحدة، فالدول المنتجة تستطيع، في حالات معينة، استخدام مواردها المالية وآليات الدعم والتسعير لحماية المستهلكين، بينما تجد الدول المستوردة نفسها أكثر عرضة لتقلبات السوق الدولية، خصوصاً عندما تتزامن أزمة الأسعار مع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وفي المحصلة، أظهرت الحرب الأمريكية الإيرانية أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بامتلاك النفط والغاز، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بأمن الممرات البحرية، واستقرار البنية التحتية، وحجم الاحتياطات الاستراتيجية، وقدرة الحكومات على تمويل الدعم أو امتصاص ارتفاع كلفة الاستيراد.
وبينما تمكنت بعض الدول العربية من تأجيل انعكاس الصدمة على المستهلك عبر الدعم وتثبيت الأسعار، وجدت دول أخرى نفسها مضطرة إلى تمرير جزء أكبر من الزيادة إلى السوق المحلية، لتصبح أسعار الوقود واحدة من أبرز الواجهات التي تعكس تفاوت قدرة الاقتصادات العربية على مواجهة تداعيات الأزمات الجيوسياسية الكبرى.
مقالات ذات صلة
تصعيد عسكري واسع في اليمن والتحالف بقيادة السعودية يعلن تدمير 136 هدفا حوثيا وسط معارك دامية قرب باب المندب
تحذير أوروبي يوسّع نطاق مخاطر الطيران فوق السعودية بعد هجمات الرياض
وزارة العدل تصدر مدونة للأخلاقيات والقيم لتأطير السلوك المهني داخل المحاكم
طقس السبت بالمغرب.. زخات رعدية مرتقبة بعدد من المناطق وانخفاض درجات الحرارة نهاراً
تصعيد عسكري في اليمن وهرمز يثير المخاوف الإقليمية وسط استمرار المواجهات


Comments ( 0 )