رئيس الموساد الجديد يعيد ترتيب أولويات الجهاز ويضع إيران والعمليات الهجومية في الصدارة

المحور الصحفي //
كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» في تقرير تحليلي أمني واستخباراتي أن رئيس الموساد الجديد رومان غوفمان بدأ إعادة ترتيب أولويات الجهاز، واضعاً إيران والعمليات الهجومية قصيرة الأمد في مقدمة اهتماماته، بالتوازي مع إعادة هيكلة داخلية وإعادة تقييم الخطط السابقة المتعلقة بإحداث تغيير في النظام الإيراني.
وتولى غوفمان رئاسة الموساد في الثاني من يونيو/حزيران، في ظل انتقال غير هادئ للمنصب من سلفه ديفيد برنيع، بعدما أخرت أزمة قضائية المصادقة على تعيينه حتى الأسبوع الذي بدأ فيه مهامه رسمياً. وترى الصحيفة أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على أدائه، نظراً للطبيعة السرية لعمل الجهاز، غير أن العام المقبل قد يكون حاسماً في تحديد ملامح قيادته وتوجهاته.
وبحسب «جيروزاليم بوست»، تتمثل المهمة الأكثر إلحاحاً أمام غوفمان في تحقيق توازن بين العمليات السرية والهجومية السريعة داخل إيران وبين العمل الاستخباراتي طويل الأمد، ولا سيما المشاريع المرتبطة بمحاولات تغيير النظام في طهران.
ويعمل الموساد منذ سنوات على عرقلة البرنامج النووي الإيراني، إلا أن نطاق اهتمامه قد يتسع ليشمل البرنامج الصاروخي الباليستي بصورة أكبر، في ظل الهجمات الإيرانية المباشرة على إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، تشير الصحيفة إلى أن محدودية الموارد تفرض على الجهاز المفاضلة بين المسارين، بما يضمن ألا يؤدي تكثيف العمليات الهجومية إلى إضعاف قدرته على جمع المعلومات. ومن ثم، يبدو أن غوفمان يميل إلى منح العمليات الميدانية وزناً أكبر، مع الإبقاء على العمل الاستخباراتي باعتباره عنصراً أساسياً في استراتيجية الموساد.
ويواجه غوفمان كذلك إرثاً ثقيلاً من الخطط السابقة الرامية إلى تغيير النظام الإيراني. ووفق التقرير، اختارت إسرائيل والولايات المتحدة في أوائل عام 2026 اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي والمضي في خطة سريعة لإحداث تغيير سياسي في طهران، إلا أن فشل هذه المقاربة جعل أي تحرك مماثل مستقبلاً أكثر حساسية، وفتح الباب أمام تدقيق أكبر من جانب حلفاء إسرائيل، بما في ذلك أطراف داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتكشف الصحيفة أن غوفمان لا يرى إمكانية لإحياء خطة الموساد القديمة التي اعتمدت على التمرد الكردي، ما دفعه إلى البحث عن بديل. كما ارتبطت إعادة ترتيب المناصب العليا داخل الجهاز بقناعة مفادها أن الخطط السابقة لم تعد قابلة للتنفيذ بصورتها الحالية.
وشملت التغييرات إقالة نائب رئيس الموساد «أ»، ورئيس قسم التحليل، ورئيس مكتب الشأن الإيراني بالوكالة. ولا تعتبر «جيروزاليم بوست» هذه الخطوة مجرد محاولة لتحميل مسؤولين سابقين مسؤولية الإخفاقات، بل تراها جزءاً من عملية أوسع لإدخال قيادات تمتلك مهارات ورؤى مختلفة.
ومن بين الخطط السابقة التي لم تحقق أهدافها ما عُرف باسم «خطة أحمدي نجاد»، التي قامت على فكرة استبدال خامنئي بالرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد. ووفق المادة، لم يُفتح تحقيق رسمي في فشل الخطة، فيما يبدو أن غوفمان يفضل التركيز على إعادة بناء الاستراتيجية بدلاً من الانشغال بمراجعة الإخفاقات السابقة.
ويرجح التقرير أن يعتمد غوفمان نسخة معدلة من استراتيجية «الموت بألف طعنة» المرتبطة برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، والتي استخدمت ضد إيران خلال عامي 2021 و2022.
وتقوم هذه المقاربة على الجمع بين مشاريع معقدة تحتاج إلى سنوات من الإعداد وبين عمليات قصيرة الأمد يمكن أن تحقق نتائج سريعة. وتستند إلى تقدير مفاده أن البيئة الإيرانية أصبحت أكثر هشاشة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، لكنها في الوقت ذاته باتت أكثر استعداداً للرد بهجمات صاروخية مباشرة على إسرائيل.
وتربط «جيروزاليم بوست» هذا التوجه بعمليات تخريب معقدة، من بينها العملية التي استُخدمت فيها أجهزة النداء ضد حزب الله، والتي استغرق التخطيط لها وتنفيذها سنوات، مقابل توجه غوفمان إلى إضافة إجراءات أسرع لا تتطلب الفترة الزمنية الطويلة نفسها.
ويرى منتقدون، بحسب الصحيفة، أن إبعاد عدد من كبار المسؤولين في بداية ولايته قد يؤدي إلى إبطاء بعض المشاريع، غير أن غوفمان يبدو مقتنعاً بأن سرعة التغيير أكثر أهمية من الحفاظ على الترتيبات القائمة.
ومن أبرز التحولات المنسوبة إلى غوفمان، وفق الصحيفة، التعامل مع حماس وحزب الله والحوثيين وإيران باعتبارهم أجزاء مترابطة، بدرجات مختلفة، ضمن منظومة واحدة.
وقد ينعكس هذا التصور على طريقة تخطيط الموساد للعمليات، بحيث لا تُدرس الساحات المختلفة بصورة منفصلة، وإنما ضمن استراتيجية متعددة الجبهات.
وتشير «جيروزاليم بوست» إلى أن تغيير رؤساء الأقسام يمثل تقليداً متكرراً تقريباً مع وصول كل رئيس جديد للموساد، بهدف إدخال أفكار وكفاءات جديدة، إلا أن سرعة التغييرات هذه المرة تعكس، في تقديرها، إلحاحاً أكبر لدى غوفمان لإعادة توجيه الجهاز.
كما تربط الصحيفة أسلوبه القيادي باستعداده للمخاطرة. فقد كان غوفمان، خلال أحداث السابع من أكتوبر، من بين الضباط الذين دخلوا إلى مناطق القتال، وأصيب هناك، ليصبح أرفع مسؤول عسكري إسرائيلي يصاب خلال الحرب، وفق التقرير.
ولا تقتصر استراتيجية غوفمان على العمليات الميدانية، إذ يتوقع أن تحتل حملات التأثير والحرب النفسية مساحة أكبر في عمل الموساد، خصوصاً مع نشاط الجهاز العلني على وسائل التواصل الاجتماعي ضد إيران خلال عام 2026.
وترى «جيروزاليم بوست» أن إحدى نقاط القوة لدى غوفمان تتمثل في فهمه لهذه الأدوات، وهي خبرة اكتسبها خلال مسيرته العسكرية والأمنية.
وتبرز الصحيفة كذلك خلفيته الشخصية، إذ هاجر من بيلاروسيا إلى إسرائيل في الرابعة عشرة من عمره، وكان ملاكماً ناجحاً في شبابه. وترى أن وصوله إلى رئاسة الموساد يعكس مساراً مهنياً قام على العمل والانضباط والترقي داخل المؤسسة العسكرية.
وعلى المستوى السياسي، يقدم غوفمان نفسه، وفق التقرير، باعتباره شخصية غير حزبية، ويؤكد استعداده للعمل مع أي رئيس حكومة إسرائيلي مستقبلي، سواء بقي بنيامين نتنياهو في منصبه أو تولى غادي آيزنكوت أو نفتالي بينيت رئاسة الحكومة.
ورغم وجود خلاف سابق بين غوفمان وآيزنكوت عندما كان الأخير رئيساً لأركان الجيش، لا يبدو أن رئيس الموساد يعتبر ذلك عائقاً أمام التعاون مستقبلاً.
في المقابل، تشير الصحيفة إلى أن غوفمان أظهر خلال عهد نتنياهو استعداداً لمعارضة بعض القرارات عندما يرى أنها لا تخدم التقدير الأمني الإسرائيلي. ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير موقفه من الهجوم الإسرائيلي على بيروت في يونيو/حزيران، حيث كان، بحسب الصحيفة، معارضاً للضربة.
وفي 22 يوليو/تموز، زار غوفمان الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ توليه رئاسة الموساد، في خطوة ركزت على تنسيق المواقف الإسرائيلية والأمريكية بشأن إيران والمفاوضات النووية.
وتصف «جيروزاليم بوست» العلاقات بين الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» بأنها قوية وفعالة، رغم التساؤلات بشأن قدرة غوفمان على إدارة العلاقة مع واشنطن بالمستوى نفسه الذي أظهره بعض أسلافه.
وتمنحه خبرته السابقة سكرتيراً عسكرياً لنتنياهو أفضلية في هذا المجال، إذ شارك بصورة مباشرة في اجتماعات رفيعة المستوى تناولت قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.
ولا يزال أحد الملفات الغامضة، وفق الصحيفة، يتمثل في موقفه من المعلومات الأمريكية والإسرائيلية المتضاربة بشأن منشأة نووية إيرانية أثارت مخاوف خلال يوليو/تموز.
ويمتلك غوفمان، بحسب «جيروزاليم بوست»، ميزة إضافية في التعامل مع موسكو، باعتباره أول رئيس للموساد ناطق بالروسية، وهي ميزة تكتسب أهمية في ظل الدور الروسي في عدد من الملفات المرتبطة بالأمن القومي الإسرائيلي.
وفي سوريا، دخل غوفمان مبكراً في واحدة من أكثر القضايا حساسية، بعدما شارك في لقاءات مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومسؤولي أجهزة الاستخبارات السورية.
وتعتبر الصحيفة أن هذه المشاركة تعكس مستوى الثقة الذي يمنحه نتنياهو لرئيس الموساد في إدارة الملفات المعقدة، كما تشير إلى أن إسرائيل حاولت عبر قنوات مختلفة إيصال رسائل إلى دمشق بشأن الوجود التركي في الأراضي السورية، خصوصاً إذا كان من شأنه تقييد حرية التحرك الإسرائيلي.
وفي ما يتعلق بقطاع غزة، نفت «جيروزاليم بوست» الادعاءات التي تحدثت عن تولي الموساد وغوفمان مشروعاً لتهجير سكان القطاع، مؤكدة، وفق ما أوردته، عدم وجود أدلة تدعم هذه الرواية حتى الآن، وأن هذه الملفات تقع أساساً ضمن اختصاص جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» ووكالات حكومية أخرى.
في المقابل، تبقى مكافحة الإرهاب العالمي من المهام الأساسية للموساد، ولا سيما حماية اليهود حول العالم من مخططات تستهدفهم. وتقول الصحيفة إن إيران كانت مصدراً لعدد كبير من هذه المخططات خلال السنوات الماضية.
وقد يدفع تغير ميزان القوى مع طهران غوفمان، وفق التقرير، إلى تبني نهج أكثر مبادرة وهجومية في إحباط هذه العمليات، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات دفاعية.
مقالات ذات صلة
شهادات جنود إسرائيليين تكشف عن توسيع صلاحيات القصف في غزة وسط ارتفاع الخسائر المدنية
ترامب يدرس إقالة سفيرته لدى اليونان وسط اتهامات بطلب أموال وعلاقات مع رجال أعمال
احتجاجات طلابية جديدة في فرنسا بمشاركة غريتا ثونبرغ وسط ترقب حكومي لمآل الحراك
استنفار أمني بمطار بن غوريون بعد بلاغ عن قنبلة على متن طائرة أمريكية
المغرب وجزر القمر يوقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون القضائي وتبادل الخبرات


Comments ( 0 )