ارتفاع النفط يضغط على المغرب.. فاتورة الطاقة تعود إلى الواجهة وسط اضطرابات الأسواق العالمية

المحور الصحفي // هيئة التحرير

يواجه الاقتصاد المغربي مجدداً ضغوطاً متزايدة بفعل الارتفاع الحاد في أسعار النفط واضطراب أسواق الطاقة العالمية، في وقت تجاوز فيه سعر خام برنت عتبة 100 دولار للبرميل خلال شتنبر الجاري، قبل أن يتراجع إلى نحو 104 دولارات في 17 شتنبر، مع استمرار المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب بالنظر إلى حساسية فاتورة الطاقة تجاه تقلبات الأسعار العالمية، في ظل اعتماد البلاد على الواردات لتلبية جزء كبير من حاجياتها الطاقية. ومع استمرار اضطرابات الملاحة في مناطق استراتيجية، تتجاوز تداعيات الأزمة سعر النفط الخام لتشمل أيضاً تكاليف النقل والتأمين والشحن البحري.

وفي هذا السياق، أصبحت التطورات الجيوسياسية عاملاً أساسياً في تحديد اتجاهات سوق النفط، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب. وتشير بيانات حديثة إلى تراجع كبير في حركة السفن عبر مضيق هرمز، بينما انخفض عدد العبور عبر باب المندب أيضاً، وهو ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

كما أدت الهجمات والاضطرابات التي طالت منشآت ومسارات الطاقة في المنطقة إلى رفع كلفة نقل النفط والمنتجات البترولية، فيما سجلت أسعار الشحن البحري مستويات مرتفعة نتيجة المخاطر المتزايدة على الناقلات والمسارات التجارية.

ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على منطقة الشرق الأوسط، إذ إن أي اضطراب طويل في تدفقات النفط ينعكس على الأسواق العالمية، خصوصاً في ظل توقعات وكالة الطاقة الدولية بانخفاض كبير في إمدادات النفط العالمية خلال 2026 نتيجة استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.

وتكشف بيانات مكتب الصرف عن ارتفاع ملموس في قيمة الواردات المغربية خلال 2026. فقد ارتفعت الواردات بنسبة 15.9 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، لتبلغ 544.045 مليار درهم، مقابل ارتفاع الصادرات بنسبة 8.4 في المائة إلى 299.349 مليار درهم، وهو ما أدى إلى اتساع العجز التجاري بنسبة 26.5 في المائة خلال الفترة نفسها.

وتبرز فاتورة الطاقة باعتبارها أحد العناصر التي تستحق المتابعة في هذا السياق، خصوصاً أن ارتفاع أسعار النفط لا يؤثر فقط على قيمة واردات المحروقات، وإنما يمكن أن يمتد أثره إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وبالتالي إلى عدد من مكونات الاقتصاد الوطني.

وكانت فاتورة الطاقة قد بلغت سنة 2025 حوالي 107.6 مليار درهم، وفق المعطيات التي يستند إليها هذا التقرير، بعدما سجلت تراجعاً مقارنة بالسنة السابقة بفعل انخفاض الأسعار الدولية. غير أن تغير الظروف خلال 2026 يعيد ملف الطاقة إلى الواجهة، خصوصاً مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل واستمرار اضطرابات الإمدادات العالمية.

وفي الوقت نفسه، تظهر البيانات الرسمية أن الضغط على المبادلات الخارجية أصبح أكثر وضوحاً خلال السنة الجارية، إذ ارتفع العجز التجاري بنسبة 23.5 في المائة خلال النصف الأول من 2026، قبل أن يصل معدل الارتفاع إلى 26.5 في المائة مع نهاية يوليوز.

ولا ترتبط تداعيات ارتفاع أسعار النفط بالسعر المسجل في الأسواق العالمية فقط، بل تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد وسعر صرف الدرهم والأسعار العالمية للمنتجات المكررة.

وتزداد حساسية هذه المعادلة عندما يتعلق الأمر بالمنتجات البترولية المكررة، إذ يمكن أن تنتقل الزيادة في تكاليف الاستيراد تدريجياً إلى مختلف القطاعات التي تعتمد على النقل والطاقة، قبل أن تظهر آثارها المحتملة على تكاليف الإنتاج والخدمات والأسعار النهائية.

وفي المقابل، فإن حجم التأثير الفعلي على المالية العمومية لا يمكن اختزاله في سعر برميل النفط وحده، لأن ذلك يرتبط أيضاً بمستويات الاستهلاك، وأسعار المنتجات المكررة، وآليات الدعم المعتمدة، وتطور سعر الصرف، إضافة إلى وضعية السوق الدولية خلال الأشهر المقبلة.

وفي ظل هذه التطورات، تعود مسألة تسريع الانتقال الطاقي إلى واجهة النقاش الاقتصادي المغربي، خصوصاً مع استمرار تعرض الأسواق الدولية لصدمات مرتبطة بالأزمات الجيوسياسية.

ويفرض الوضع كذلك أهمية مواصلة تعزيز أمن الإمدادات والقدرات اللوجستية والتخزين، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة وتقوية الاستثمارات في الطاقات المتجددة، بما يقلل تدريجياً من حساسية الاقتصاد الوطني للصدمات الخارجية.

وبينما تشير المعطيات الحالية إلى ارتفاع الضغوط على المبادلات الخارجية واستمرار تقلبات سوق النفط، يبقى مسار فاتورة الطاقة المغربية خلال ما تبقى من 2026 مرتبطاً أساساً بتطور الأسعار العالمية ومدى استمرار الاضطرابات الجيوسياسية وحركة التجارة في الممرات البحرية الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، لا يبدو ارتفاع النفط مجرد مسألة مرتبطة بسعر المحروقات في الأسواق، بل اختباراً أوسع لقدرة الاقتصاد المغربي على امتصاص الصدمات الخارجية والحفاظ على توازناته التجارية والمالية، في وقت أصبحت فيه أمن الطاقة وتنويع مصادرها جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الاقتصادي.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment