سوق توزيع صكوك الغفران وأوهام التبرؤ المتأخر من الحصيلة الحكومية والضرب في التضامن الحكومي

المحور الصحفي // المصطفى بسيط
لا تحتاج المتابعة السياسية للمشهد المغربي اليوم إلى كثير من التفكيك والتنظير لإدراك حجم التناقضات التي تحكم سلوك بعض الأطراف داخل منظومة الأغلبية السابقة.
فالمشهد اللامعقول الذي تابعه المغاربة اليوم بين متسرع من على منصة حزبوية ينقل خبرا غير دقيق ليعدله اعتذارا، وبين تصريحات متضاربة تسارع إلى خوض معارك التبرؤ وشيطنة حليف الأمس..
فهذا لا يعكس مجرد أخطاء تواصلية عابرة، بل يفتح الباب أمام سؤال مبدئي وأعمق حول التضامن الحكومي وأخلاقيات العمل السياسي.
بعيدا عن الحسابات الضيقة والتراشق حول مشاركة حزب التجمع الوطني للأحرار في الحكومة من عدمها، تتجلى الإشكالية الكبرى في هذه المحاولة المفضوحة للفصل بين مكونات تجربة حكومية واحدة، تجربة خاضتها الأحزاب الثلاثة جنبا إلى جنب على مدى خمس سنوات كاملة.
فالمنطق الدستوري والسياسي والأخلاقي السليم يصرح بصوت لا يخالطه شك:
إن أي حصيلة حكومية، بنجاحاتها وإخفاقاتها، هي مسؤولية جماعية مشاعة بين كل مكونات التحالف.
صحيح أن خطاب التبرؤ والتحامل قد يفه أو يمكن أن نجد له أعذارا ولو أنه غير أخلاقي مثلل إذا صدر عن عامة الناس أو المواطن البسيط الذي يحلل بعاطفية، بل إنه قد يمر علينا كمناورة في إطار التدافع والحملات الانتخابية التي تتطلب شحذا للخطاب الجماهيري خاصة وكما أقول دائما أنه موسم الصيد وكل شئ جائز.
أما أن يصدر هذا التنصل والتراشق في وقت تكوين الأغلبية القادمة وعن قادة وسياسيين كبار يفترض فيهم النضج والرصانة، فهذا ليس مجرد تنصل من المسؤولية، بل هو صراحة ضحك على الذقون واستخفاف بذكاء الرأي العام.
إن المنطق الذي تحاول بعض القوى ترسيخه اليوم والذي يقوم على تحميل حزب التجمع الوطني للأحرار بمفرده تبعات الولاية المنصرمة لمجرد أنه كان يترأس الحكومة هو منطق يجافي العقل والواقع.
فالحكومة منطقيا لم تكن تدار برأس واحد، بل كانت مؤسسة تنفيذية اتخذت قراراتها الاستراتيجية، ومررت قوانينها، وأديرت قطاعاتها الكبرى بالاشتراك والتوافق التامين بين أحزاب التكتل الثلاثة.
إذا كيف يعقل أن تمنح أطراف كانت تجلس على نفس طاولة المجلس الحكومي لنفسها صكوك الغفران، فتسعى لتنزيه ذمتها والظهور بمظهر الناصح
أو البريء، بينما تحاول رمي الجمر كله في يد الحليف الذي تقاسمت معه السلطة والقرار طيلة ولاية كاملة؟
إن شيطنة حزب الأحرار
أو إظهاره كعقبة أو كمسؤول أحادي عن نتائج مرحلة كاملة لا يمثل مجرد هروب إلى الأمام، بل هو ضرب لمرتكزات العمل التحالفي المسؤول.
فالعقلانية السياسية تقتضي أن من ارتضى المشاركة في السراء وتدبير الشأن العام، وجب عليه أن يملك الشجاعة الكافية لتقاسم الضراء ومواجهة الشارع بحصيلة مشتركة، دون قفز من القافلة أو توزيع مجاني للتهم.
ختاما، وبغض النظر عن أي ملاحظات قد تثار حول العملية الانتخابية وتفاصيلها التي ينظر القضاء في بعض مجرياتها، فإن الخيار الديمقراطي وصناديق الاقتراع أفرزت من جديد أغلبية حاسمة ونوعية لنفس الأحزاب الثلاثة، وإن كان ذلك بترتيب ومواقع طفيفة التغيير. وهذا المعطى الميداني يحمل دلالة واضحة وهي منطق الاستمرارية والمصلحة الوطنية بناء على نتائج الانتخابات يقتضي أصلا استمرار هذا التحالف لولاية قادمة اولا لمنحه فرصة أخرى لتصحيح وتقوية المسار وتانيا تكريسا لروح التضامن الحكومي، مع ضرورة الدفع بوجوه وسياسات جديدة، وإجراء مراجعة شجاعة ونقدية للحصيلة السابقة لمعالجة مكامن الخلل وتحقيق التنمية المنشودة. بل إنه لمن المستحسن والمتطلب تدعيم هذه الأغلبية بالإنفتاح على حزب أو حزبين من القوى الكبرى
لا سيما من أحزاب الكتلة الوطنية لبناء حزام سياسي متين وقادر على رفع التحديات ولبناء جبهة قادرة على مواجهة المعارضة المرتقبة القوية.
أما إن كان للتحالف الحكومي ألا يستمر، وللتضامن أن ينقضي أو يعدم بحكم الحسابات والحظوظ السياسية، فالواجب الأخلاقي والدستوري يفرض على الجميع ألا ينسوا الفضل الذي كان بينهم طيلة ولاية كاملة، وأن يحترموا عقول المغاربة بالابتعاد عن الشيطنة المجانية والتنصل المتأخر.
مقالات ذات صلة
افتتاح البرلمان.. انتهى زمن الوعود وبدأ امتحان المحاسبة والإنجاز
المرأة المغربية نماءُ وطنٍ وصمودُ روح
مفارقة معرض مراكش للصناعات الدفاعية.. هل نريد مغرباً قوياً أم بلداً مكشوفاً أمام التحولات الإقليمية؟
ذِكــْرَى طُوفَــان الأَقْصَــى07 أُكْتُوبــر 2023، المُقَــاوَمَـــــــة ثَقَــافَـــــــــــة
تخليد ذكرى عملية الإنزال بالنورماندي والعرفان المادي والمعنوي بمن خاضها …


Comments ( 0 )