مفارقة معرض مراكش للصناعات الدفاعية.. هل نريد مغرباً قوياً أم بلداً مكشوفاً أمام التحولات الإقليمية؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

في عالم لا يمنح الضعفاء وقتاً طويلاً للدفاع عن أنفسهم، ولا يتعامل مع الدول بمنطق النوايا الحسنة وحدها، تبدو المفارقة المغربية لافتة للنقاش. فالمحيط الإقليمي والدولي يعرف تحولات متسارعة، والتحالفات تتبدل وفق المصالح، وبؤر التوتر تتسع من الشرق الأوسط إلى القرن الإفريقي والساحل، فيما تظل منطقة المغرب العربي محكومة بخلافات سياسية واستراتيجية لم تجد طريقها إلى التسوية النهائية.

وفي قلب هذه المعادلة، يجد المغرب نفسه أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة أن تحمي سيادتها ومصالحها الحيوية في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي؟ وهل يكفي الاعتماد على شراء الأسلحة من الخارج، أم أن المرحلة تفرض الانتقال التدريجي نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على تقليص التبعية وتعزيز هامش القرار المستقل؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة مع احتضان مراكش الدورة الثامنة من معرض الطيران والصناعات المرتبطة بالدفاع، الممتد من 7 إلى 10 أكتوبر 2026، بمشاركة شركات ومؤسسات دولية متخصصة في الطيران والتكنولوجيا والدفاع. فالحدث لا يتعلق بمجرد عرض طائرات ومنظومات متطورة، بل يفتح النقاش حول موقع المغرب في خريطة الصناعات الاستراتيجية، وقدرته على تحويل الشراكات الخارجية إلى خبرة وطنية وفرص استثمار وتشغيل ونقل للتكنولوجيا.

من استيراد السلاح إلى بناء القدرة على إنتاجه

لم يعد النقاش حول الأمن الوطني محصوراً في عدد الطائرات أو نوعية المنظومات العسكرية التي تمتلكها الجيوش. فالقوة الحديثة تقوم أيضاً على القدرة على الصيانة والتحديث، وتأمين قطع الغيار، وتطوير الكفاءات الهندسية، وإنتاج بعض المعدات محلياً، وبناء منظومة صناعية تستطيع مواكبة التطور التكنولوجي بدل الاكتفاء بشراء منتجاته النهائية.

ومن هذه الزاوية، تبدو الرهانات المغربية أوسع من اقتناء أسلحة جديدة. فالمطلوب هو الاستفادة من الشراكات الدولية من أجل تكوين المهندسين والتقنيين، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير البحث العلمي، ورفع نسبة القيمة المضافة التي تنتج داخل البلاد.

وقد شهد معرض مراكش بالفعل خطوات معلنة في هذا الاتجاه. ففي 8 أكتوبر، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة توقيع اتفاقات مع فاعلين دوليين في قطاع الطيران، من بينها مشاريع مرتبطة بمعالجة أجزاء الطائرات وتصنيع الأسلاك الكهربائية، باستثمارات تشمل إحداث مئات مناصب الشغل. كما تسعى شركات عاملة في القطاع إلى توسيع حضورها الصناعي بالمغرب وتعزيز إدماج الموردين المحليين في سلاسل الإنتاج العالمية.

وتكتسي هذه الخطوات أهميتها من كون التصنيع ليس مجرد شعار سياسي، بل مسار طويل يحتاج إلى نقل فعلي للمعرفة، وتكوين مستمر، وبحث وتطوير، وقدرة على المنافسة، إلى جانب حماية الاستثمارات وتوفير بيئة صناعية مستقرة.

أما الحديث عن تصنيع مقاتلات «إف-16» كاملة داخل المغرب، فيحتاج إلى تدقيق واضح؛ فالمعطيات المنشورة بشأن الطائرات الجديدة المخصصة للمملكة تؤكد أن أول مقاتلة من طراز «إف-16 بلوك 72» الموجهة للمغرب أجرت رحلتها التجريبية الأولى في الولايات المتحدة، ولا تعني هذه الخطوة أن تصنيع المقاتلات كاملة قد انتقل إلى الأراضي المغربية.

وهنا تكمن أهمية الدقة: فالمغرب ليس بحاجة إلى تضخيم ما تحقق، بل إلى إبراز ما تحقق فعلاً، ومساءلة السياسات الصناعية بشأن ما يمكن إنجازه لاحقاً. فالمصداقية جزء من القوة، كما أن الطموح لا يصبح إنجازاً إلا عندما تسنده عقود واضحة وقدرات إنتاجية قابلة للقياس.

محيط مضطرب يفرض قراءة استراتيجية

من شمال إفريقيا إلى الساحل والقرن الإفريقي والشرق الأوسط، تتقاطع ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية والتنافس الدولي. كما أن استمرار الخلافات الإقليمية، وتنامي التحديات العابرة للحدود، وتطور الحروب بالطائرات المسيّرة والأنظمة الرقمية، كلها عوامل تجعل بناء القدرات الدفاعية جزءاً من النقاش الاستراتيجي لدى دول كثيرة.

لكن قراءة هذا الواقع لا ينبغي أن تتحول إلى إعلان حرب مفتوحة على الجيران، ولا إلى بناء السياسات على افتراض أن كل خلاف سياسي مقدمة لمواجهة عسكرية. فالدول الرشيدة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين الاستعداد الدفاعي وتدبير الأزمات، وبين حماية المصالح الوطنية وتجنب التصعيد غير الضروري.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن تعزيز القدرات الدفاعية لا ينفصل عن تنويع الشراكات، وتطوير الصناعة، وتحديث التكوين، والحفاظ على جاهزية القوات المسلحة. كما أن بناء الثقة الإقليمية، حين تتوافر شروطها، يظل مصلحة استراتيجية لا تقل أهمية عن امتلاك المعدات المتطورة.

فالقوة ليست في استعراض السلاح وحده، بل في امتلاك القدرة على استخدامه ضمن استراتيجية واضحة، وفي منع تحول التوترات إلى صراعات مفتوحة، وفي ضمان ألا تصبح التبعية التقنية واللوجستية نقطة ضعف عند الأزمات.

ومن هنا تبدأ المفارقة: لماذا يتحول المعرض إلى موضوع للصراع؟

في مقابل الرهان على تطوير الصناعة الدفاعية، برزت انتقادات واحتجاجات من جهات مدنية بشأن المعرض، وهي مواقف تستحق النقاش في ضوء ما تطرحه من أسئلة سياسية وأخلاقية حول طبيعة الشراكات العسكرية، ومصادر المعدات المعروضة، وحدود التعاون مع الشركات المرتبطة بنزاعات دولية.

غير أن النقاش الجاد يقتضي التمييز بين الاحتجاج السلمي، وهو حق مشروع، وبين إطلاق اتهامات بشأن نيات المحتجين أو الجهات التي تقف وراءهم من دون أدلة موثوقة. فمجرد الاعتراض على معرض عسكري لا يثبت أن صاحبه يريد إضعاف المغرب، كما أن الدفاع عن تطوير الصناعة الدفاعية لا يعفي المؤسسات من تقديم المعلومات اللازمة حول أهداف هذه الصناعة، وكلفتها، وعائدها الاقتصادي، وضوابطها القانونية والأخلاقية.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: من يعارض المعرض، ومن يقف مع الدولة؟ بل: ما طبيعة الاعتراضات المطروحة؟ هل تتعلق بالإنفاق العام، أم بعلاقات الشركات المشاركة، أم بمواقف سياسية من بعض الدول، أم برفض مبدئي للصناعات العسكرية؟ وهل قدمت الجهات المعنية أجوبة واضحة عن هذه التساؤلات؟

إن اختزال النقاش في تخوين المعارضين يضر بالحوار العام، تماماً كما أن اختزال المعرض في مجرد دعاية عسكرية يتجاهل أبعاده الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية. وبين الموقفين، تبرز الحاجة إلى نقاش وطني عقلاني يوازن بين الأمن والسيادة، من جهة، والشفافية والمسؤولية، من جهة أخرى.

السيادة لا تُبنى بالشعارات وحدها

إن بناء صناعة دفاعية وطنية ليس مشروعاً سهلاً، ولا يمكن اختزاله في استضافة معرض دولي أو توقيع مذكرات تفاهم. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المعرض، عندما تتحول الاتفاقات إلى مصانع، والاستثمارات إلى وظائف، والشراكات إلى خبرات وطنية، والوعود إلى منتجات وخدمات قابلة للتطوير والتصدير.

ويقتضي ذلك أيضاً تحديد الأولويات بوضوح، حتى لا يتحول الإنفاق الدفاعي إلى عبء على قطاعات اجتماعية أساسية، بل إلى استثمار محسوب ضمن رؤية وطنية شاملة. فالأمن القومي لا يتشكل بالسلاح وحده؛ إنه يرتبط كذلك بقوة الاقتصاد، وجودة التعليم، والبحث العلمي، والأمن الطاقي والغذائي، وتماسك المؤسسات، وثقة المواطنين.

ومن حق المغاربة أن يعرفوا كيف ستسهم المشاريع الدفاعية في بناء الكفاءات الوطنية، وما نسبة الإدماج المحلي المستهدفة، وما حجم القيمة المضافة التي ستبقى داخل الاقتصاد المغربي، وكيف ستُقاس النتائج على المدى المتوسط والبعيد. فالمساءلة لا تضعف المشروع الاستراتيجي، بل تساعد على تصحيح مساره وتعزيز مشروعيته.

السؤال الحقيقي: أي مغرب نريد في عالم متغير؟

إن المفارقة التي تستحق التوقف عندها ليست وجود معرض للصناعات الدفاعية في مراكش، ولا وجود أصوات تعترض عليه، بل كيفية تدبير الاختلاف حول مشروع يرتبط بالأمن والسيادة ومستقبل الاقتصاد الوطني.

فالمغرب يحتاج إلى قدرات دفاعية تحمي مصالحه، وإلى صناعة وطنية تقلل التبعية كلما أمكن، وإلى شراكات تخدم نقل التكنولوجيا لا مجرد اقتناء المعدات. لكنه يحتاج، بالقدر نفسه، إلى نقاش عمومي لا يحول الاختلاف إلى تهمة، ولا يجعل كل نقد دليلاً على سوء النية، ولا يمنح أي مشروع حصانة من التقييم والمساءلة.

إن السؤال «هل نريد مغرباً قوياً أم مغرباً ضعيفاً؟» قد يبدو حاسماً، لكنه لا يكفي وحده لفهم القضية. فالقوة ليست حكراً على اتجاه سياسي أو مؤسسة أو موقف من معرض بعينه. إنها نتيجة خيارات استراتيجية قابلة للتقييم، ومؤسسات فعالة، واقتصاد منتج، ودبلوماسية متوازنة، ومجتمع قادر على مناقشة قراراته الكبرى بوعي ومسؤولية.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح المغرب بما تعرضه مراكش من طائرات ومنظومات متطورة، بل بما يستطيع بناءه بعد مغادرة الوفود الدولية: معرفة وطنية، وصناعة مستدامة، وفرص عمل، وقدرة دفاعية موثوقة، وشفافية في القرار. عندها فقط يصبح الانتقال من استيراد السلاح إلى امتلاك المعرفة الصناعية مشروعاً وطنياً ملموساً، لا مجرد عنوان جذاب في زمن الاضطراب.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment