متى كان الإسفلت معيار للعقل و التحضر

المحور الصحفي // مصطفى العموشي
إلى الذين يتطاولون على البادية وعلى شرفائها
متى كان الإسفلت معيارا للعقل وللتحضر؟
سالت الأقلام والأفواه قيحا، واشتد طنين النفوس التي تعتقد أن الحضارة بضعة أمتار من الأسفلت والاسمنت والخرسانة ومبان شبه شاهقة وأزقة ضيقة،وشبه حدائق وأسواق شبه نموذجية ومرافق عمومية ناذرة…
تبارى البعض في إطلاق الأحكام المبتذلة، وجعلوا من البادية قرينا لجهل، ومن قاطنيها حطبا للتخلف وسموهم هركاوة ، لمجرد أنهم مارسوا حقا كفله لهم الدستور، واختاروا أسلوبهم في التدافع والتعبير.
عجبا لهذا المنطق المأزوم عجبا لهذا الفكر العنصري البهيمي الذي يجمع الناس في سلة واحدة، ويريد أن يقيس وعي الإنسان ببطاقة إقامته لا ببطاقة تفكيره ولا بمدى نضجه الفكري والتقافي…
إلى هؤلاء وأنا إبن البادية أقول وبلسان العقل لا بلغة التشنج عليكم أن تعلموا
أولا أن الجهل حالة ذهن وموقف أخلاقي، وليس جغرافيا وانا جغرافي وأعرف ما أقول.
إن الجهل الحقيقي ليس في عدم الإقامة في المدينة، بل في العقلية العاجزة عن فك أسر نمطيتها، وفي النفس المريضة التي تستعلي على عباد الله وتخاطب ساكنة القرى المغربية من فوق برج عاجي وتلبس لباس الطهرانية والمثالية…
لقد عرفت البشرية عظماء ومفكرين وقادة خرجوا من رحم البيداء والقرية، كما عرفت المدن العتيقة والحديثة عقولا مغلقة وأمية سياسية ووعيا زائفا حتى وصلنا في بعض الحالات لنشاهد مدنا بأكملها تعيش ظاهرة التحضر الزائف..
إن الجهل لا يحتاج إلى بادية ليستوطنها إنه يسكن حيثما غاب التفكير النقدي، وساد التعالي الفارغ وسادت العنصرية والنزعة القبلية.
وسبق أن دونت أن من لابادية له لل أصل له وأكرر القول بطرقة أخرى إن البادية ليست هامشا بل هي الأصل والصمود.
إن البادية التي يحتقرها من لم يفهم عمقها، هي السند المادي والأخلاقي الذي طالما أطعم المدن وحماها . البادية هي قيم الأصالة، والصبر على ضنك العيش، وتشبت الإنسان بأرضه وعرق جبينه.
وإن شاب سلوك بعض قاطنيها شيء من القصور أو استغلال حاجتهم من طرف تجار السياسة والدين ، فالإدانة هنا أولا وجب أن تتجه إلى شبكات الاستغلال والإفساد، وإلى سياسات التهميش التي حرمتهم العقود الطويلة من فرص العدالة المجالية، لا إلى الضحية الذي يصارع من أجل البقاء.
متى كان ممارسة حق دستوري جريمة إن التصويت حق وليس صك غفران للمدينة أو أنكم أصبحتم تبيعون صكوك الغفران ياأهل البادية صوتوا على الحزب x لكي نمنحكم الخلاص من الذنوب ونطبع على جبينكم التحضر والحضارة ..عجبا لجهلاء يوزعون تهم الجهل على الشرفاء.
إن ممارسة الحق الانتخابي في البادية هي شهادة حياة وتدافع مشروع. فأن يخطئ المواطن في الاختيار، أو أن تكبل إرادته ظروف قاهرة، فذاك داء يعاني منه ساكن العمارة في قلب العاصمة مثلما يعاني منه ساكن الخيمة في أقصى الهامش أي هو أمر مشترك يعاني منه ساكن الرستاق والأحياء الحضرية.
فلماذا تغفر هفوات ابن المدينة
وتصنف كـممارسة سياسية.
بينما يرجم وينعل ابن البادية وتدمى كرامته وتوسم قبيلته بالجهل؟
ألا يدخل هذا في إطار التطفيف في الموازين، والهروب من النقد الذاتي إلى ممارسة أسهل أنواع السادية اللفظية.
ختاما أقول
إن التحضر ليس فستانا نرتديه ولا مقهى نجلس فيه ولا شارعا نسير فيه …
التحضر هو أخلاق في الخصومة، وعدل في الحكم، وتواضع أمام تنوع البشر.
التحضر هو أفكار وهو سلوك ومعاملات.
فمن شاء أن يمارس النقد السياسي فليتفضل، الأبواب مشرعة والنقاش مطلوب. أما من يتخذ من نتائج صندوق شماعة للطعن في إنسانية وكرامة ووعي أهل البادية جميعا، فليعلم أنه إنما يكشف عن سوءته وعن سوء أدبه وعقدة نقصه، لا عن سداد رأيه.
وستظل البادية بشرفائها وبأحرارها وحرائرها رغم أنف الحاقدين والحاقدات شامخة، شاهقة،عالية،بسيطة وحديثة وأصيلة، ولن تضيرها نفثات قيح الأقلام السطحية، فمعدن الأرض لا يغيره زبد الكلام.
والعودة للأصل أصل والأصل هو البادية ولا مدينة بدون بادية ودليلي هو أن المتحضر المفترض القاطن بالمدينة حينما يصل لمرحلة معينة من التطور يصبح حلمه أن يمتلك منزلا بالبادية ليستقر بها وليوارى الثرى بها .
مقالات ذات صلة
مفارقة معرض مراكش للصناعات الدفاعية.. هل نريد مغرباً قوياً أم بلداً مكشوفاً أمام التحولات الإقليمية؟
ذِكــْرَى طُوفَــان الأَقْصَــى07 أُكْتُوبــر 2023، المُقَــاوَمَـــــــة ثَقَــافَـــــــــــة
تخليد ذكرى عملية الإنزال بالنورماندي والعرفان المادي والمعنوي بمن خاضها …
سوق توزيع صكوك الغفران وأوهام التبرؤ المتأخر من الحصيلة الحكومية والضرب في التضامن الحكومي
محطة تاريخية تعزز المكتسبات وتكرس الخيار الديمقراطي


Comments ( 0 )