الرباط على وقع تصدعات الأغلبية.. هل تعيد التحالفات الحكومية رسم خريطة الصراع داخل المقاطعات؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
تتجه الخلافات السياسية بين مكونات الأغلبية المسيرة لعدد من المجالس المحلية بالعاصمة الرباط نحو مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل التحولات التي أفرزتها التحالفات الحكومية الجديدة، وما تفرضه من إعادة ترتيب للعلاقات بين الأحزاب التي اعتادت الاشتغال ضمن أرضية سياسية مشتركة. وبين حسابات المركز وإكراهات التدبير المحلي، يجد المنتخبون أنفسهم أمام معادلة دقيقة: هل تستمر التفاهمات التي تأسست في سياق انتخابي سابق، أم تمتد التحولات الوطنية إلى المجالس الترابية لتعيد رسم موازين القوى داخلها؟
ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة بالنظر إلى موقع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري ضمن القيادة الجماعية للأمانة العامة، في المعادلة الحكومية الجديدة، إلى جانب حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مقابل وجود التجمع الوطني للأحرار خارج هذا التحالف، وفق المعطيات الواردة بشأن الترتيبات السياسية الجديدة. وهو تحول يضع العلاقات بين منتخبي هذه الأحزاب أمام اختبار حقيقي، خصوصاً في المجالس التي جمعتهم فيها تفاهمات سابقة لتدبير الشأن المحلي وتوزيع المسؤوليات.
لا تنتهي آثار التحالفات السياسية عند حدود تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد، في كثير من الأحيان، إلى المجالس الجماعية ومجالس المقاطعات، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع المصالح المحلية وتوازنات المنتخبين. فالأحزاب التي اجتمعت في أغلبية واحدة خلال مرحلة سابقة قد تجد نفسها اليوم أمام مواقع سياسية مختلفة، بما يفرض مراجعة آليات التنسيق والتعاون بينها.
وفي حالة الرباط، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية، بالنظر إلى أن تدبير العاصمة لا يقتصر على تنفيذ مشاريع محلية، بل يرتبط أيضاً بملفات التهيئة الحضرية والنقل والخدمات الأساسية وتحسين ظروف عيش السكان. ولذلك، فإن أي توتر داخل الأغلبية يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط على آليات اتخاذ القرار، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تحتاج إلى توافقات سياسية وإدارية لضمان تنفيذها.
غير أن اختلاف المواقع على المستوى الوطني لا يعني بالضرورة انهيار التحالفات المحلية بصورة تلقائية. فالمجالس الترابية تخضع بدورها لمقتضيات قانونية وتنظيمية، كما أن التفاهمات التي تجمع المنتخبين قد تستند إلى اعتبارات محلية تتجاوز الانتماء الحكومي. لكن استمرار هذه التفاهمات يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على الفصل بين الخلافات الحزبية ومتطلبات التدبير اليومي.
وقد أعادت الخلافات التي عرفتها الأغلبية المسيرة لمجلس جماعة الرباط، خلال دورة أكتوبر، تسليط الضوء على طبيعة التصدعات التي قد تعصف بالتفاهمات بين مكوناتها. فتعثر الحسم في عدد من النقاط المدرجة بجدول الأعمال، بحسب المعطيات المتداولة، يطرح تساؤلات بشأن قدرة التحالف المسير على الحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام الضروري لمواصلة تدبير المجلس.
وبحسب مصادر جماعية، فإن الاحتقان لم يعد محصوراً في اختلاف وجهات النظر بشأن بعض المشاريع، بل امتد إلى قضايا مرتبطة بطريقة تدبير المجلس وتوزيع المسؤوليات. وإذا تأكد استمرار هذا الوضع، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد خلاف عابر بين مستشارين أو فرق سياسية، بل بمؤشر يستدعي تقييم قدرة الأغلبية على اتخاذ القرارات وضمان استمرارية العمل المؤسساتي.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الخلاف السياسي الطبيعي، الذي يشكل جزءاً من الممارسة الديمقراطية، وبين الخلاف الذي يؤدي إلى تعطيل القرارات أو تأخير المشاريع التي تمس مصالح المواطنين. فوجود تباينات داخل الأغلبية ليس في حد ذاته دليلاً على فشلها، لكن العجز عن تدبير هذه التباينات وتحويلها إلى توافقات عملية قد يضع المجلس أمام صعوبات حقيقية.
تتجه الأنظار كذلك إلى مجالس المقاطعات بالعاصمة، حيث يمكن للتحولات التي عرفتها التحالفات الوطنية أن تؤثر في طبيعة التنسيق بين مستشاري الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال. فهذه المكونات قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم علاقاتها السياسية، خصوصاً في الملفات التي تتطلب توافقاً بشأن الأولويات المحلية أو توزيع المسؤوليات داخل المجالس.
لكن الرهان الأساسي لا يكمن في نقل الصراع الحزبي من المستوى الوطني إلى المستوى المحلي، بل في قدرة المنتخبين على الحفاظ على استمرارية المرافق والخدمات، بعيداً عن منطق تصفية الحسابات السياسية. فالمواطن الذي يتابع أشغال مجلس المقاطعة لا يعنيه كثيراً موقع الحزب في الأغلبية الحكومية بقدر ما تعنيه جودة الخدمات، والاستجابة للشكايات، وتحسين الفضاءات العامة، ومعالجة الاختلالات التي تؤثر في حياته اليومية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي إعادة ترتيب للتحالفات المحلية ينبغي أن تتم وفق قواعد واضحة، وفي إطار احترام الاختصاصات القانونية للمجالس ومقتضيات الحكامة الجيدة. أما تحويل الخلافات الحزبية إلى أداة للضغط المتبادل، فقد ينعكس سلباً على وتيرة اتخاذ القرار ويضعف قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة للانتظارات المحلية.
تكشف هذه التطورات عن إشكالية متكررة في تدبير الشأن المحلي بالمغرب، تتمثل في التداخل بين الحسابات الحزبية الوطنية والالتزامات التي تفرضها التحالفات الترابية. فالأحزاب مطالبة بالحفاظ على انسجامها السياسي، لكنها في الوقت نفسه مطالبة باحترام خصوصية المجالس المنتخبة، التي يفترض أن يكون عملها موجهاً لخدمة الساكنة، لا لمواكبة كل تحول في موازين القوى على المستوى المركزي.
ومن هنا، فإن مسؤولية تجاوز حالة الاحتقان لا تقع على طرف واحد، بل تتطلب من مختلف مكونات الأغلبية اعتماد الحوار المؤسساتي، وتوضيح مواقفها بشأن الملفات العالقة، وتحديد الأولويات على أساس المصلحة العامة. كما أن المعارضة مطالبة بدورها بممارسة اختصاصاتها الرقابية والسياسية وفق قواعد المسؤولية، بما يضمن استمرار النقاش الديمقراطي دون تحويل الخلافات إلى حالة من الجمود.
أما إذا استمر التعثر في معالجة نقاط الخلاف، فإن المجلس قد يجد نفسه أمام مرحلة تتسم بصعوبة تمرير بعض القرارات، وتراجع فعالية التنسيق بين مكوناته، وهو ما يستدعي البحث عن حلول سياسية ومؤسساتية تحافظ على استمرارية العمل الجماعي.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بتداعيات تبدل التحالفات الحكومية على العلاقات بين الأحزاب، بل باختبار أوسع لقدرة المنتخبين على التوفيق بين الالتزامات السياسية والمسؤولية التدبيرية. فالعاصمة الرباط تحتاج إلى مجالس قادرة على اتخاذ القرار ومواكبة المشاريع والاستجابة لمطالب السكان، وليس إلى تحالفات تستهلك وقتها في إعادة ترتيب الحسابات الداخلية.
وإذا كانت التحولات الوطنية تفرض على الأحزاب مراجعة مواقعها وتقدير مصالحها، فإن ذلك لا يعفي المنتخبين من مسؤولية ضمان السير العادي للمؤسسات المحلية. فالتحالفات السياسية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتشكيل أغلبية قادرة على التدبير وتحمل المسؤولية وتقديم حصيلة قابلة للتقييم والمحاسبة.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح مكونات الأغلبية بالعاصمة في احتواء خلافاتها وإعادة بناء حد أدنى من الثقة والتنسيق، أم أن تباين المواقع الحزبية سيزيد من تعقيد المشهد داخل مجلس جماعة الرباط وعدد من مقاطعاتها؟ الإجابة لن تحسمها التصريحات السياسية وحدها، بل ستكشف عنها طريقة تدبير الدورات المقبلة، ومدى القدرة على تجاوز الخلافات من أجل ضمان استمرارية المرافق والمشاريع وتحقيق نتائج ملموسة لفائدة الساكنة.
مقالات ذات صلة
البرلمان يعقد جلسة مشتركة الاثنين المقبل لتقديم البرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري
تحالف اليسار يحسم ممثليه في اللجان الدائمة بمجلس النواب وفق معايير التخصص والخبرة
شغور مرتقب لمقعد الرحامنة البرلماني بعد تعيين عز الدين المداوي وزيرا
استمرار 13 وزيراً من حكومة أخنوش ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري
الحركة الشعبية يختار مواصلة المعارضة وينفي تلقي عرض للمشاركة في الحكومة المقبلة


Comments ( 0 )