أطفالٌ بلا طفولة: حين يتحوّل العمل إلى قمع والبراءة إلى جرح

المحور الصحفي // ايمان لعقاق
في أزقةٍ ضيقة أو في ورشٍ مخفية عن الأنظار، يعمل أطفالٌ لم يبلغوا السن القانوني، يحملون فوق أكتافهم الصغيرة أثقالاً لا تليق إلا بالكبار. وجوههم شاحبة، أياديهم متشققة، وأحلامهم مكسورة على قارعة الحاجة والفقر. ومنهم من لا يكتفي المجتمع باستنزاف قوته الجسدية، بل يعرّضه لاستغلالٍ أبشع؛ اغتصابٌ يسرق براءته، ويحوّل مسار حياته إلى ندبة مفتوحة، تخلّف وراءها جيلاً محطماً يجرّ عقده النفسية نحو المستقبل.
القانون المغربي، كما تنص عليه مدونة الشغل، يمنع تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة. وعلى الصعيد الدولي، تؤكد اتفاقية حقوق الطفل (1989) واتفاقيات منظمة العمل الدولية أن تشغيل الأطفال واستغلالهم الجنسي يُعدّان من أخطر أشكال العنف. ورغم ذلك، ما زال بعض أرباب العمل وأسر فقيرة يتغاضون عن القانون، فيتحوّل النص إلى حبر على ورق، بينما يعيش الطفل قمعاً مزدوجاً: قمع الحاجة وقمع التجاهل.
من الناحية الحقوقية، الطفل ليس ملكاً لوالديه ولا أداةً اقتصادية للأسرة، بل كيان مستقل له الحق في التعليم، اللعب، والرعاية. إلا أن بعض الأسر، بدافع الفقر أو الجهل، تدفع أبناءها نحو الهشاشة، مبرّرةً ذلك بالحاجة. هنا تُطرح المسؤولية الأخلاقية والقانونية: كيف لأسرة أن تقبل أن يتحوّل طفلها إلى عامل صغير؟ وكيف يغيب دور الدولة في توفير حماية فعلية وآليات مراقبة صارمة ضد هذه الانتهاكات؟
الطفل الذي يُستغل في العمل أو يُغتصب تحت عباءة “التشغيل القسري” قد يكبر بجراحٍ نفسية عميقة. يصبح شاباً مثقلاً بالعقد، حاملاً لذكريات القمع والانتهاك، عاجزاً عن الاندماج السوي داخل المجتمع. وهكذا نصنع بأيدينا “أيتاماً داخل أسرهم”، يتحولون في المستقبل إلى أفراد فاقدين للثقة، وربما ناقمين على مجتمعٍ لم ينصفهم.
ليست القضية أرقاماً قانونية فقط، بل وجعٌ إنساني حيّ. كيف نُقنع طفلاً بأن طفولته انتهت قبل أن تبدأ؟ كيف نمسح من قلبه الخوف من يدِ رب عملٍ ضربه أو مغتصبٍ هدده؟ إنهم ليسوا مجرد أطفال يعملون، بل براءة مصلوبة على أبواب المصانع والمنازل، في زمنٍ يحتاج فيه المجتمع إلى أن يستعيد ضميره قبل أن ينهار.
تشغيل الأطفال جريمة، وصمت المجتمع عنها جريمة أكبر. وإذا كان القانون قد وضع نصوصاً، فالمطلوب أن تتحوّل هذه النصوص إلى فعل، وأن تتحمل الأسر والدولة والمجتمع المدني مسؤوليتهم أمام جيلٍ كامل يُساق إلى مستقبلٍ معتم. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة: كم من الأطفال يجب أن يُستغلوا أو يُغتصبوا قبل أن نُدرك أننا نخسر إنسانيتنا؟
مقالات ذات صلة
افتتاح البرلمان.. انتهى زمن الوعود وبدأ امتحان المحاسبة والإنجاز
المرأة المغربية نماءُ وطنٍ وصمودُ روح
مفارقة معرض مراكش للصناعات الدفاعية.. هل نريد مغرباً قوياً أم بلداً مكشوفاً أمام التحولات الإقليمية؟
ذِكــْرَى طُوفَــان الأَقْصَــى07 أُكْتُوبــر 2023، المُقَــاوَمَـــــــة ثَقَــافَـــــــــــة
تخليد ذكرى عملية الإنزال بالنورماندي والعرفان المادي والمعنوي بمن خاضها …


Comments ( 0 )