تشاد تهدد بالانسحاب من القوة الأمنية متعددة الجنسيات: تداعيات محتملة على الأمن الإقليمي في منطقة بحيرة تشاد

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي
في خطوة قد تؤثر بشكل كبير على الأمن الإقليمي في منطقة غرب ووسط أفريقيا، أعلن رئيس تشاد محمد إدريس ديبي عن تهديد بانسحاب بلاده من القوة الأمنية متعددة الجنسيات المتمركزة في منطقة بحيرة تشاد. التصريح الذي جاء خلال زيارة الرئيس إلى المنطقة المحاذية لبحيرة تشاد، والتي يحدها أربع دول هي تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون، يعكس تزايد الإحباط في العاصمة التشادية نجامينا حيال أداء هذه القوة التي تأسست لمكافحة الجماعات المسلحة، خاصة تلك التي تنشط في منطقة تشهد اضطرابات متواصلة مثل جماعة “بوكو حرام”.
القوة الأمنية متعددة الجنسيات تأسست في عام 2015 بموجب اتفاق بين الدول المطلة على بحيرة تشاد، بهدف مكافحة الجماعات المسلحة المتطرفة، وعلى رأسها جماعة “بوكو حرام” وتنظيم “الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” (ISWAP). كان الهدف من هذه القوة تعزيز التعاون الأمني بين الدول الأربعة وتنسيق العمليات العسكرية، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، من أجل مواجهة التهديدات التي تمثلها هذه الجماعات في المنطقة التي تتمتع بخصوصية جغرافية صعبة، حيث تنتشر المستنقعات والأراضي الرطبة، مما يوفر ملاذا للجماعات المسلحة. ورغم الجهود التي بذلتها هذه القوة، لا يزال الوضع الأمني في منطقة بحيرة تشاد هشًا.
في أكتوبر 2023، أودى هجوم مسلح شنه عناصر يشتبه في انتمائهم لجماعة “بوكو حرام” بحياة نحو 40 جنديا تشاديا، وهو الحادث الذي شكل صدمة كبيرة في البلاد. هذا الهجوم سلط الضوء على الفجوات الأمنية التي تعاني منها القوة المشتركة، وأثار تساؤلات حول فعالية هذه القوة في مواجهة التحديات المتزايدة. وقد أشار الرئيس ديبي إلى أن غياب التنسيق بين الدول الأربعة قد أصبح أمرا ملاحظا على الأرض، وأوضح أن
القوة المشتركة التي كانت تهدف إلى تجميع الجهود العسكرية والاستخباراتية بين الدول الأربعة أصبحت في حالة “ركود”. وقد ألمح إلى أن تشاد قد تفكر في الانسحاب من القوة الأمنية متعددة الجنسيات إذا استمر هذا الوضع.
بحسب تصريحات الرئيس ديبي، فإن وجود هذه القوة المشتركة لم يمنع الجماعات المسلحة من تنفيذ هجمات دموية في منطقة بحيرة تشاد. على الرغم من التحالفات الأمنية بين هذه الدول، إلا أن العمليات العسكرية ضد الجماعات الإرهابية لم تحقق نتائج ملموسة في تقليص التهديدات، بل على العكس، فقد زادت عمليات الهجوم والهجمات الانتقامية. يبدو أن ضعف التنسيق بين الدول الأربعة أدى إلى تراجع فعالية العمليات العسكرية، وبالتالي تزايد الخوف من أن الوضع الأمني قد يتدهور بشكل أكبر إذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال.
من جانب آخر، تعاني تشاد من تحديات أمنية كبيرة على حدودها مع النيجر ونيجيريا والكاميرون، حيث ُعد الأمن على الحدود أمرا حساسا نظرا لوجود نشاطات إرهابية على جانبي هذه الحدود. الهجوم الأخير الذي وقع في أكتوبر الماضي كان بمثابة جرس إنذار إضافي لتشاد بشأن مدى هشاشة الوضع الأمني، الأمر الذي دفع بعض المسؤولين إلى التفكير في خيار الانسحاب من القوة المشتركة. يرى كثيرون في تشاد أن التركيز على العمليات الأمنية المحلية قد يكون أكثر فعالية في مواجهة التهديدات الحالية، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.
إذا ما قررت تشاد الانسحاب من القوة الأمنية متعددة الجنسيات، فإن ذلك قد يحدث فراغا أمنيا كبيرا في منطقة بحيرة تشاد. الجماعات الإرهابية مثل “بوكو حرام” و”الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” قد تجد في هذا الفراغ فرصة لتوسيع نطاق عملياتها وزيادة الهجمات ضد المدنيين والعسكريين في المناطق الحدودية. هذا التدهور في الوضع الأمني قد يؤدي إلى تزايد النشاط الإرهابي، حيث ستستفيد الجماعات المسلحة من ضعف التنسيق بين الدول الأربعة لتحقيق أهدافها. كما أن التدهور الأمني قد يعزز من عمليات تجنيد الإرهابيين في صفوف تلك الجماعات، خصوصا من بين السكان المحليين في المناطق التي تفتقر إلى الأمن ويفتقر فيها المواطنون إلى الخدمات الأساسية.
مع تزايد الهجمات وغياب التنسيق، فإن قدرة الدول على تبادل المعلومات الاستخباراتية ستنخفض بشكل حاد. هذه الفجوات الاستخباراتية من شأنها أن تزيد من تعقيد عمليات محاربة الإرهاب، وقد تسهم في توسيع نطاق الهجمات التي تنفذها الجماعات المتطرفة في المنطقة. فالجماعات الإرهابية تعيش في بيئة تتميز بالتحركات السريعة والتخفي، وعندما تفقد الجهود الاستخباراتية المشتركة فعاليتها، تصبح التصدي لهذه الجماعات أكثر صعوبة وتعقيدا.
من جانب آخر، قد يتسبب هذا التدهور في الوضع الأمني في زيادة أعداد النازحين واللاجئين، حيث يُجبر المدنيون على الفرار من مناطقهم بحثا عن الأمان في دول أخرى. هذا النزوح الجماعي سيضع عبئا إضافيا على دول مثل نيجيريا والكاميرون التي تشهد بدورها تحديات أمنية وإنسانية. ولعل ما يفاقم الوضع هو أن الجماعات الإرهابية غالبا ما تستغل هذه الظروف، محاوِلة تجنيد الفارين من مناطق النزاع الذين يعانون من التهميش والفقر.
إذا لم تُتخذ إجراءات سريعة من قبل الدول المطلة على بحيرة تشاد لمعالجة هذه الثغرات الأمنية، فإن التصعيد المستقبلي سيكون لا محالة في الطريق. نحن نرى أن انسحاب تشاد سيزيد من خطر التفكك الإقليمي، مما يُحتم تحركا عاجلا لتوسيع التنسيق الأمني بين الدول وتعزيز قدرة التعاون الاستخباراتي في المنطقة. في حال لم تبذل جهود فاعلة في هذا الاتجاه، فقد نشهد تصعيدا خطيرا في هجمات الجماعات الإرهابية، مما سيوسع نطاق النزاع ليشمل مناطق أخرى في غرب أفريقيا.
مقالات ذات صلة
تحريات بشأن شهادات مزورة تُستعمل للحصول على عقود عمل بإسبانيا
أزمور.. البلوكاج المالي يعود للواجهة بعد رفض مستشاري المجلس الجماعي المصادقة على ميزانية 2027
وزارة الداخلية تتلقى 252 طلباً لعزل منتخبين وتتتبع 387 متابعة قضائية
قطر ومصر تبحثان تنسيق الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد في المنطقة
مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة يبحثان مستجدات الأزمة اليمنية في الرياض


Comments ( 0 )