الليثيوم بين الأمل في حماية الدماغ والحذر من اعتماده كوقاية من ألزهايمر

المحور الصحفي // هيئة التحرير

على الرغم من النتائج المشجعة التي توصلت إليها الأبحاث الحديثة، لا يزال الطريق طويلاً قبل اعتماد الليثيوم كوسيلة وقائية فعالة ضد مرض ألزهايمر لدى البشر. فقد استخدم هذا العنصر منذ عقود كعلاج أساسي لاضطراب ثنائي القطب، غير أن الدراسات الأخيرة بدأت تكشف عن دوره المحتمل في حماية الدماغ من التدهور العصبي، وربما في الوقاية من أمراض الذاكرة.

ورغم أن الآليات الدقيقة لعمل الليثيوم لا تزال غامضة، فإن المؤكد أنه يترك بصمة واضحة في الدماغ، ما دفع العلماء إلى اعتباره أحد العناصر الضرورية للحفاظ على وظائفه الحيوية. فمنذ اكتشافه سنة 1817، جُرّب الليثيوم في معالجة عدد من الاضطرابات النفسية والعصبية، إلى أن أصبح منذ عام 1970 العلاج الأبرز لتثبيت المزاج، بعد أن نجح الطبيب الأسترالي جون كيد في إثبات فعاليته.

وقد أظهرت الدراسات أن الليثيوم لا يقتصر على دوره في التوازن النفسي، بل يمتلك أيضًا خصائص وقائية للأعصاب. فبحسب أبحاث سويسرية أجريت عام 2007، تبيّن أن مرضى الاضطراب ثنائي القطب الذين تلقوا علاجًا بالليثيوم سجّلوا معدلات إصابة بالخرف وألزهايمر مماثلة لعامة السكان، بينما كانت النسبة أعلى بكثير لدى من لم يتلقوا هذا العلاج. كما بيّنت فحوص أجريت عام 2012 أن المرضى الذين تناولوا الليثيوم احتفظوا بحجم طبيعي في منطقة الحُصين المسؤولة عن الذاكرة، وهو ما يعزز فرضية دوره في حماية الدماغ من التدهور المعرفي.

وإضافة إلى ذلك، لاحظ الباحثون أن المجتمعات التي تحتوي مياهها على كميات ضئيلة من الليثيوم تشهد معدلات أقل من الانتحار والتراجع الإدراكي. هذه الملاحظات دفعت بعض المختبرات، ومنها مختبر بروس يانكر بجامعة هارفرد، إلى دراسة العلاقة بين الليثيوم ومرض ألزهايمر. وقد أظهرت النتائج أن المرضى الذين يعانون ضعفًا إدراكيًا يمتلكون مستويات أقل من الليثيوم في أدمغتهم، ما يشير إلى أن هذا العنصر قد يكون مكوّنًا أساسيًا في الحفاظ على صحة الخلايا العصبية.

وفي التجارب على الحيوانات، أدى تقليل نسبة الليثيوم في أجسام الفئران إلى زيادة تراكم البروتينات المسؤولة عن تلف الدماغ، بينما ساهمت الجرعات المنخفضة من الليثيوم في وقف هذه التراكمات واستعادة الذاكرة. ويُعتقد أن ذلك يعود إلى قدرة الليثيوم على تثبيط إنزيم يسبب تشابكات بروتين “تاو”، وعلى تنشيط عملية “الالتهام الذاتي” التي تخلص الخلايا من مخلفاتها الضارة.

ومع ذلك، لا تزال التجارب السريرية في بداياتها، إذ يجري الطبيب التشيلي باول فورينغير تجربة طويلة الأمد لمعرفة ما إذا كانت جرعات منخفضة من الليثيوم يمكن أن تمنع التدهور المعرفي لدى كبار السن. غير أن التمويل يشكل عقبة أمام تقدم هذه الأبحاث، لكون الليثيوم مادة طبيعية زهيدة الثمن لا تثير اهتمام شركات الأدوية الكبرى.

وبينما يسعى العلماء إلى فهم أعمق لآليات عمل هذا العنصر، يبقى الأمل كبيرًا في أن يشكل الليثيوم يومًا ما وسيلة وقائية تحمي الدماغ من الشيخوخة والتلف، شرط أن يُستخدم بحذر وتحت إشراف طبي دقيق. كما يقول أحد الباحثين: “قد نكون استعملنا الليثيوم في بطارياتنا قبل أن ندرك أنه يشحن عقولنا أيضًا”.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment