الصحافي والصحة النفسية… مهنة تحت الضغط الدائم

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
في عالم الإعلام السريع الذي لا يعرف التوقف، يعيش الصحافي تحت وطأة ضغوط متواصلة تجعل الصحة النفسية جزءاً من معركته اليومية. فالمهنة التي تُبنى على التوتر، السبق، والمنافسة، تضع العاملين فيها على تماس مباشر مع الأحداث الصادمة، والمآسي الإنسانية، والقصص التي تستنزف المشاعر والعقل على حد سواء.
من السهل أن نرى الصحافي كمصدر للأخبار، لكنه في العمق إنسان يتأثر بما ينقل، ويحمل على كتفيه ثقل الحقيقة. حين يلاحق الكوارث، أو يغطي الحروب، أو حتى يتابع تفاصيل الفساد والمآسي الاجتماعية، يواجه نوعاً من الصدمة الثانوية، وهي حالة نفسية تصيب من يشاهد أو يسمع عن المآسي بشكل متكرر دون أن يعيشها شخصياً.
تشير دراسات دولية إلى أن نسبة كبيرة من الصحافيين يعانون من القلق، اضطرابات النوم، أو الإرهاق المهني (burnout)، خصوصاً في بيئات العمل التي تفتقر إلى الدعم النفسي، أو حيث يُنظر إلى الضعف العاطفي كعيب مهني. وغالباً ما يُطلب من الصحافي أن يكون صلباً، متماسكا، جاهزاً لأي حدث، دون أن يجد الوقت الكافي للعناية بنفسه أو للتفريغ النفسي.
في السياق العربي، تزداد حدة هذه المشكلة بسبب هشاشة المؤسسات الإعلامية وغياب آليات الدعم النفسي داخلها. فالصحافي يجد نفسه وحيداً أمام ضغوط التحرير والميدان، وأحياناً أمام الرقابة والخوف من المتابعة، مما يضاعف من القلق النفسي ويؤثر على جودة العمل الصحفي نفسه.
ولأن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن المهنية، أصبح من الضروري إدراج برامج الدعم النفسي في المؤسسات الإعلامية، عبر جلسات تفريغ نفسي، تكوينات في إدارة الضغط، وتوفير بيئة عمل إنسانية توازن بين الواجب المهني وراحة الفرد.
الصحافة في جوهرها مهنة إنسانية، تنقل آلام الناس وأحلامهم، لكن لا يمكنها الاستمرار بنفس القوة ما لم تحافظ على إنسانية الصحافي نفسه.
فلا صدق في القلم إذا كان صاحبه منهكاً من الداخل، ولا يمكن للحقيقة أن تُروى كاملة حين يغيب التوازن النفسي لمن يكتبها.
تؤكد الدراسات النفسية والإعلامية الحديثة أن مهنة الصحافة تُصنّف ضمن أكثر المهن المسببة للتوتر والاضطرابات النفسية، إلى جانب الطب والطوارئ والشرطة. فالصحافي، وفق علم النفس المهني، يعيش تحت ما يُعرف بـ “الإجهاد التراكمي” الناتج عن التعرض المستمر للأحداث المؤلمة، وهو ما يجعل حالته النفسية عرضة للاهتزاز مع مرور الزمن.
كما تشير الأبحاث إلى أن ما بين 25% إلى 35% من الصحافيين يعانون من أعراض القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، فيما يعاني عدد كبير منهم من الاحتراق المهني (Burnout) الناتج عن ضغط المواعيد وقلة فترات الراحة. كما أظهرت دراسات جامعة “دارتموث” الأمريكية أن التعرض المتكرر للأخبار السلبية يؤدي إلى انخفاض في مستوى الدوبامين، وهو الهرمون المسؤول عن التحفيز والشعور بالرضا، مما يجعل الصحافي أكثر عرضة للإرهاق النفسي وفقدان الشغف.
وفي الحالات القصوى، قد يصاب الصحافيون الميدانيون بـ اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، خصوصاً من يغطون النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية. هذه الفئة تعاني من كوابيس، عزلة اجتماعية، وشعور دائم بالتهديد، دون أن تتلقى غالباً أي دعم نفسي مؤسسي.
تتعدد العوامل التي تؤثر في الصحة النفسية للصحافي، إذ تنطلق من بيئة العمل المتوترة التي تُحكمها ضغوط الإنتاج السريع، والخوف من الوقوع في الأخطاء التحريرية، والمنافسة الشرسة بين الزملاء من أجل السبق والتميز. يضاف إلى ذلك ضعف التقدير المؤسسي وغياب الدعم النفسي والمادي، ما يولد شعوراً بالإهمال واللاجدوى. كما أن التعرض المستمر للأخبار الصادمة، من حوادث ووفيات وصراعات، يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”تطبيع مع الألم”، وهو نمط نفسي يفقد فيه الصحافي حساسيته التدريجية تجاه المعاناة الإنسانية. ومع التحول الرقمي الذي جعل الصحافي متصلاً على مدار الساعة، تراجعت خصوصيته الذهنية وأصبح في حالة استنفار دائم، مما يضعف توازنه النفسي على المدى الطويل.
وللتخفيف من هذه الآثار، توصي الدراسات بضرورة اعتماد حلول علمية ومؤسساتية متكاملة، تبدأ بالتكوين النفسي المهني داخل كليات الإعلام، من خلال إدراج مقررات حول الصحة النفسية في الممارسة الصحفية لرفع الوعي المبكر بالمخاطر النفسية للمهنة. كما يُستحسن تخصيص جلسات دعم نفسي داخل المؤسسات الإعلامية، على غرار ما تطبقه هيئات كـBBC أو رويترز، حيث يتولى خبراء مختصون مساعدة الصحافيين بعد تغطيات صادمة. إلى جانب ذلك، تمثل برامج إدارة الضغط النفسي (Stress Management) أداة فعالة، عبر تمارين التنفس والتأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness)، لتقوية التركيز وتقليل القلق. كما أن تعزيز ثقافة الاعتراف بالضعف الإنساني يُعد خطوة ضرورية لتشجيع الصحافيين على التعبير عن معاناتهم دون وصم أو خوف من فقدان المصداقية المهنية. وأخيراً، ينبغي الحد من ساعات العمل المفرطة، إذ تؤكد الدراسات أن تجاوز 50 ساعة أسبوعياً يزيد احتمال الإصابة بالإرهاق المهني بنسبة تصل إلى 70%.
إن من يكتب عن الألم البشري، يحتاج هو نفسه إلى من يسمع ألمه.
إنّ الاهتمام بصحة الصحافي النفسية ليس ترفاً، بل هو شرط أساسي لاستمرار المهنة بحرفيتها وصدقها، لأن من يحمل همّ الحقيقة يستحق أيضاً أن يعيش بسلام داخلي.
مقالات ذات صلة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات
مونديال 2030.. زيارة «فيفا» تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار الجاهزية، والمغرب مطالب بتحويل الطموح إلى إنجاز


Comments ( 0 )