دعم جمعيات الإعاقة بين تأكيد الحكومة وتخوفات الفاعلين.. آلاف الأطفال والمهنيين أمام اختبار الاستمرارية

المحور الصحفي // المصطفى الحسيني

تواصل أزمة الدعم العمومي الموجه للجمعيات العاملة في مجال الإعاقة إثارة نقاش واسع، في ظل استمرار مخاوف الفاعلين الجمعويين والمهنيين من انعكاسات التأخر في صرف المنح على استمرارية الخدمات التربوية والاجتماعية والتأهيلية المقدمة للأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، وذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الجزء الأكبر من الاعتمادات المالية المخصصة لهذا المجال قد تم تحويله، وأن الإشكال المتبقي يرتبط أساسا باستكمال عدد من الجمعيات للوثائق والشروط الإدارية والمالية المطلوبة.

وكان المرصد المغربي للتربية الدامجة قد دق، في فبراير الماضي، ناقوس الخطر بشأن وضعية نحو 10 آلاف مهني اجتماعي، مؤكدا أنهم لم يتوصلوا بأجورهم للشهر السادس على التوالي، بسبب ما وصفه بتأخر تحويل الدعم السنوي للجمعيات الشريكة في برامج دعم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، وهو ما اعتبره المرصد تهديدا مباشرا لاستمرارية الخدمات التي يستفيد منها نحو 30 ألف طفل، مطالبا الحكومة بالتدخل العاجل لتسوية الوضع وضمان استمرار هذه الخدمات.

ولا تنفصل أزمة التمويل عن وضع أوسع يثير بدوره الكثير من علامات الاستفهام بشأن مسار التربية الدامجة بالمغرب، إذ كشف المرصد المغربي للتربية الدامجة، في يوليوز الماضي، أن عدد التلاميذ في وضعية إعاقة تراجع من حوالي 95 ألفا سنة 2019 إلى نحو 72 ألف تلميذ خلال الموسم الدراسي 2025-2026، أي بانخفاض يقارب 24 في المائة، وربط هذا التراجع بمحدودية أثر السياسات العمومية في توسيع نطاق الولوج إلى التعليم بالنسبة لهذه الفئة.

وتضع هذه المعطيات ملف تمويل الجمعيات أمام معادلة دقيقة، فمن جهة تؤكد الحكومة أن الاعتمادات المالية متوفرة وأن الجزء الأكبر من الدعم تم تحويله، ومن جهة أخرى تؤكد الفعاليات الجمعوية أن انتظام التمويل وسرعة صرفه لا يقلان أهمية عن توفر الاعتمادات، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بأجور المهنيين واستمرارية مراكز وخدمات تربوية واجتماعية تعتمد عليها آلاف الأسر.

وفي هذا السياق، كشفت الحكومة، في جواب برلماني صدر خلال يوليوز الماضي، عن معطيات رسمية حول نسب تحويل المنح المالية المخصصة للجمعيات الشريكة في برنامج دعم الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث أكد عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، أن نسبة تحويل هذه المنح برسم سنة 2025 بلغت 94.28 في المائة.

وأوضح المسؤول الحكومي أن مؤسسة التعاون الوطني كانت تتوفر على السيولة المالية الكاملة والكافية لتغطية مجموع المنح الملتزم بها، نافيا أن يكون عدم بلوغ نسبة التحويل 100 في المائة راجعا إلى نقص في الاعتمادات أو إلى عدم توفر المؤسسة على الموارد المالية اللازمة.

وبحسب المعطيات التي قدمها الرشيدي، فإن التأخر الذي سجلته بعض الجمعيات في التوصل بالمنح لا يرتبط بمشكلة في التمويل، وإنما يعود أساسا إلى عدم استكمال بعض الجمعيات للتقارير المالية والوثائق التبريرية المطلوبة، وفي مقدمتها التقارير المالية السنوية المدققة والمستوفية للضوابط الإدارية، باعتبارها وثائق أساسية للتأشير على تحويل الدعم برسم السنة الموالية.

غير أن هذا التفسير الإداري لا يلغي، في المقابل، حجم القلق الذي عبرت عنه الهيئات الجمعوية والمهنية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بخدمات موجهة إلى أطفال في وضعية إعاقة وأسر تعتمد عليها بشكل مباشر، إذ إن أي تأخير في التمويل قد ينعكس على أجور المهنيين وعلى قدرة المراكز والجمعيات على الحفاظ على انتظام خدماتها.

وتكشف هذه الوضعية عن حاجة ملحة إلى تجاوز منطق التدبير السنوي المتأخر نحو منظومة تمويل أكثر انتظاما ووضوحا واستقرارا، تضمن للجمعيات الشريكة رؤية مالية تمكنها من التخطيط المسبق، وتحمي المهنيين من التأخر في الأجور، وتفصل بشكل واضح بين مسؤولية الجمعيات في استكمال الوثائق المطلوبة ومسؤولية الإدارة في تسريع معالجة الملفات المستوفية للشروط.

ففي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بمجرد تحويلات مالية أو وثائق إدارية، وإنما باستمرارية خدمات اجتماعية وتربوية تمس آلاف الأطفال والأسر، وبمدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة مبادئ الإدماج وتكافؤ الفرص إلى خدمات فعلية ومستقرة، بما يجعل انتظام الدعم العمومي جزءا أساسيا من نجاح ورش التربية الدامجة والإدماج الاجتماعي للأشخاص في وضعية إعاقة.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment