دراسة تحذر من الوجه الخفي للألعاب المجانية.. فئة صغيرة تتحمل الجزء الأكبر من الإنفاق

المحور الصحفي // هيئة التحرير 

كشفت دراسة حديثة أن نموذج «الألعاب المجانية» لا يعني بالضرورة اللعب من دون تكلفة، إذ يعتمد هذا النموذج بدرجة كبيرة على فئة محدودة من المستخدمين الذين ينفقون مبالغ كبيرة على المشتريات داخل الألعاب، في وقت يكتفي فيه معظم اللاعبين بإنفاق مبالغ بسيطة أو لا ينفقون شيئاً على الإطلاق.

وأوضحت الدراسة أن ألعاب الفيديو التي تعتمد نظام «اللعب المجاني» تتيح للمستخدمين الولوج إليها دون دفع رسوم، غير أنها تقدم بشكل متكرر عروضاً لشراء عناصر افتراضية وترقيات واشتراكات ومزايا إضافية، في إطار ما يعرف بـ«المعاملات الصغيرة».

ورغم أن هذه المشتريات تبدو اختيارية، فإن الباحثين يحذرون من أن تصميم العديد من الألعاب الحديثة يجعل الإنفاق يبدو أمراً طبيعياً أو مستعجلاً، من خلال عروض محدودة المدة ورسائل متكررة وأساليب تدفع اللاعب إلى اتخاذ قرار الشراء بسرعة.

وتشير الدراسة إلى أن وصف هذه المشتريات بأنها «معاملات صغيرة» قد يخفي حجم الأموال التي يمكن إنفاقها فعلياً، إذ يمكن أن تتجاوز قيمة عملية شراء واحدة 100 يورو، وهو مبلغ مرتفع بشكل خاص بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين.

وفي حين ينفق معظم اللاعبين مبالغ محدودة، فإن متوسط الإنفاق لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة، لأن نسبة صغيرة من المستخدمين تستحوذ على الجزء الأكبر من إجمالي الأموال المنفقة داخل الألعاب.

وبحسب الدراسة، فإن نحو 10 في المائة من اللاعبين، الذين فضل الباحثون وصفهم بـ«المنفقين بكثافة» بدلاً من مصطلح «الحيتان» الشائع في قطاع المقامرة، يتحملون الجزء الأكبر من الإنفاق، وهو نمط يشبه إلى حد كبير التفاوت في الإنفاق المسجل في عالم المقامرة.

ويتركز جانب مهم من الجدل حول المشتريات الرقمية في ألعاب الفيديو على ما يعرف بـ«صناديق الغنائم»، حيث يدفع اللاعب أموالاً حقيقية للحصول على مكافآت عشوائية من دون معرفة محتوياتها مسبقاً، وهو ما يجعل هذه الآلية شبيهة ببعض أشكال المقامرة.

وقد أثارت هذه الممارسة مخاوف لدى الباحثين والجهات التنظيمية، بسبب الجمع بين الدفع المالي والنتائج العشوائية، غير أن الدراسة تؤكد أن صناديق الغنائم ليست سوى وسيلة واحدة ضمن منظومة أوسع تهدف إلى تشجيع المستخدمين على الإنفاق المتكرر.

وتشمل هذه الأساليب بطاقات المعارك، والمتاجر الرقمية ذات العروض المتجددة، والعملات الافتراضية، وشراء التقدم السريع داخل اللعبة، فضلاً عن العروض المخصصة والفعاليات الحصرية المؤقتة.

كما تعتمد بعض الألعاب على تحويل الأموال الحقيقية إلى عملات أو جواهر افتراضية، وهو ما قد يجعل اللاعب أقل قدرة على إدراك حجم الإنفاق الفعلي، خصوصاً عندما تتكرر عمليات الشراء على فترات قصيرة.

ولفتت الدراسة إلى أن الإنفاق المرتفع لا يقتصر على فئة اجتماعية أو اقتصادية بعينها، مشيرة في الوقت نفسه إلى انتشار سلوكيات إشكالية مرتبطة بالألعاب والمقامرة بشكل أكبر بين المستخدمين الأكثر إنفاقاً.

ويرى الباحثون أن هذه المعطيات تثير تساؤلات حول نموذج الأعمال الذي تعتمد عليه الألعاب المجانية، خصوصاً عندما تصبح نسبة صغيرة من المستخدمين الأكثر عرضة للمشكلات السلوكية مصدراً رئيسياً للإيرادات.

وفي هذا السياق، يحذر الباحثون من أن اللعبة قد تبدو آمنة بالنسبة إلى اللاعب العادي الذي ينفق مبالغ بسيطة، بينما قد تكون لها آثار مالية وسلوكية أكثر خطورة على فئة محدودة من المستخدمين.

وترى الدراسة أن التنظيم القانوني ركز خلال السنوات الأخيرة بدرجة كبيرة على صناديق الغنائم، بينما لا تزال العديد من الآليات الأخرى المستخدمة لتحفيز الإنفاق خارج نطاق الرقابة الصارمة.

وقد اتخذت بعض الدول الأوروبية، من بينها بلجيكا وهولندا، إجراءات للحد من بعض أشكال صناديق الغنائم، إلا أن الباحثين يعتبرون أن التركيز على آلية واحدة قد لا يكون كافياً، إذ يمكن للشركات تطوير وسائل أخرى تحقق الهدف نفسه وتدفع المستخدمين إلى الإنفاق.

وباستثناء بعض المقتضيات التنظيمية المرتبطة بقانون الخدمات الرقمية، لا تزال قواعد تنظيم نماذج تحقيق الإيرادات في ألعاب الفيديو محدودة نسبياً مقارنة بالقوانين المفروضة على قطاع المقامرة.

وتدعو الدراسة إلى إيلاء اهتمام أكبر لما يعرف بـ«الأنماط المظلمة»، وهي أساليب تصميمية تستخدم لتوجيه المستخدم نحو قرارات تخدم مصالح الشركة، بما في ذلك عمليات الشراء.

وتتخذ هذه الأساليب أشكالاً متعددة، من بينها الأسعار المعقدة، والإيحاء بندرة بعض العناصر، وتكرار رسائل الشراء، إلى جانب تقديم عروض محدودة زمنياً واستغلال لحظات الحماس أثناء اللعب لدفع المستخدم إلى الإنفاق.

كما قد تجعل بعض الألعاب عملية إلغاء الخدمات أو الاشتراكات أكثر تعقيداً من عملية الاشتراك فيها، بما يزيد من صعوبة التراجع عن قرار الشراء.

ويقترح الباحثون الاستفادة من التجارب التنظيمية التي يجري تطويرها لمواجهة بعض أشكال الإدمان الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيق مبادئ مماثلة على ألعاب الفيديو التي تعتمد على تقنيات مصممة لزيادة وقت الاستخدام وتكرار عمليات الشراء.

وتوصي الدراسة بفرض خطوات إضافية قبل إتمام بعض عمليات الدفع، بهدف الحد من المشتريات الاندفاعية، من دون منع المستخدمين من إجراء عمليات شراء واعية.

ومن بين المقترحات وضع حدود للإنفاق، وإظهار الأسعار بالعملة الحقيقية بشكل واضح، وفرض فترات انتظار قبل بعض المشتريات، إلى جانب إضافة خطوات تأكيد إضافية عند إتمام عمليات الدفع.

وتستند هذه التوصيات إلى أبحاث مرتبطة بالمقامرة، تشير إلى أن سرعة تكرار العمليات قد تكون عاملاً مؤثراً في زيادة احتمالات السلوك الإدماني، إذ كلما أصبح الانتقال من قرار إلى آخر أسرع، ارتفعت احتمالات تحول الاندفاع اللحظي إلى سلوك متكرر.

وتشدد الدراسة على ضرورة توفير حماية أكبر للأطفال والمراهقين، نظراً إلى محدودية قدرتهم أحياناً على إدراك الأساليب الإقناعية المستخدمة في تصميم الألعاب أو تقدير التكلفة الحقيقية للمشتريات المتكررة.

ورغم أن مراقبة إنفاق الأطفال تقع بدرجة كبيرة على عاتق الآباء، فإن الباحثين يرون أن هذه المهمة أصبحت أكثر صعوبة مع تطور التقنيات المستخدمة في تصميم الألعاب، خصوصاً تلك التي تهدف إلى إبقاء اللاعب داخل اللعبة ودفعه إلى العودة إليها والشراء بشكل متكرر.

وفي المقابل، تؤكد الدراسة أن غالبية الشباب يمارسون ألعاب الفيديو من دون مواجهة مشكلات كبيرة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن نماذج تحقيق الإيرادات المعتمدة في هذه الألعاب آمنة لجميع المستخدمين.

وتخلص الدراسة إلى أن «الألعاب المجانية» ليست مجانية بالمعنى الكامل، إذ بينما يستفيد معظم اللاعبين من اللعبة دون إنفاق كبير، تتحمل فئة صغيرة الجزء الأكبر من التكلفة، وهو ما يثير دعوات إلى تشديد الرقابة على أساليب تحقيق الإيرادات وحماية المستخدمين، ولا سيما الأطفال والمراهقين، من تحول الإنفاق داخل الألعاب إلى سلوك إدماني أو مصدر لخسائر مالية متراكمة.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment