إصلاح الصحة بالمغرب.. وثيقة تقترح جعل الولوج إلى العلاج محور المنظومة الجديدة

المحور الصحفي // هيئة التحرير
أكدت وثيقة متخصصة أن إصلاح القطاع الصحي بالمغرب، حتى يتحول إلى «واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية»، ينبغي أن يجعل الولوج الفعلي إلى العلاج هدفاً مركزياً، معتبرة أن تحقيق ذلك يتطلب التزاماً وطنياً يتمحور حول المواطن، ويرتكز على أولويات عملية واجتماعية وترابية ومالية.
وأوضح الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، في وثيقة بعنوان «إعادة بناء المنظومة الصحية بالمغرب بعد خمس سنوات.. نحو إصلاح يلمسه المواطن في حياته اليومية»، أن ضمان الولوج الفعلي إلى العلاج يستدعي حماية مالية موجهة، إلى جانب الوقاية دون تسبيق للمصاريف، فضلاً عن التكوين الجيد وتعزيز جاذبية القطاع العام، مع وضع أهداف واضحة وقابلة للقياس.
وإن هذه الروافع المتكاملة من شأنها الإسهام في بناء منظومة صحية أكثر عدالة وفعالية واستدامة، تجعل المواطن في الوقت نفسه منطلق الإصلاح وهدفه.
وتقترح الورقة جملة من الأولويات التي ترمي إلى جعل الإصلاح الصحي أكثر ارتباطاً بالاحتياجات اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها تحقيق التعميم الفعلي للتغطية الصحية، عبر تسجيل جميع السكان وتفعيل الحقوق بشكل مستدام، وضمان استمرارية التغطية، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الدخل غير المنتظم.
كما تدعو إلى ضمان ولوج شامل إلى الخدمات الصحية الأساسية، في مختلف المناطق وفي الوقت المناسب، بما يشمل الوقاية والرعاية الأولية والتشخيص والعلاج وإعادة التأهيل والرعاية التلطيفية.
وفي السياق ذاته، تشدد الوثيقة على ضرورة بناء منظومة تتمحور حول الوقاية وطب القرب، من خلال التدخل المبكر لتفادي الأمراض، وتعزيز صحة المجتمعات المحلية، والعمل على الحد من الفوارق في الولوج إلى الخدمات الصحية.
ومن بين المقترحات التي تضمنتها الورقة أيضاً، المراجعة العاجلة للتعريفة الوطنية المرجعية «TNR»، عبر ملاءمة مستويات التعويض مع الأسعار الفعلية للخدمات والعلاجات، بما من شأنه تقليص الجزء المتبقي على عاتق المريض.
وفي ما يتعلق بالحماية المالية، تقترح الوثيقة التعميم التدريجي لنظام «الثالث المؤدي» في العلاجات الخارجية، مع إعطاء الأولوية لمستفيدي «أمو تضامن»، والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، والنساء الحوامل، والأطفال، والمسنين، فضلاً عن الأجراء ذوي الدخل المحدود.
كما توصي بإقرار حزمة وطنية للوقاية دون تسبيق للمصاريف، تشمل الكشف عن مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، والتتبع البيولوجي للأمراض المزمنة، وبعض فحوص الكشف عن السرطان، إلى جانب خدمات صحة الأم والطفل، والتلقيح، والتربية العلاجية، واستشارة سنوية للوقاية.
وتقترح الورقة أن تتم تغطية خدمات الكشف والوقاية بنسبة 100 في المائة، بما يعزز توجه المنظومة الصحية نحو الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من الاقتصار على التكفل بالمرض بعد ظهوره.
وبخصوص العبء المالي الذي تتحمله الأسر، تدعو الوثيقة إلى اعتماد أهداف رقمية واضحة وقابلة للقياس، ترمي إلى خفض هذا العبء وتعزيز الإنصاف والتضامن، من خلال تقليص النسبة إلى أقل من 30 في المائة بحلول سنة 2028، ثم إلى أقل من 25 في المائة في أفق سنة 2030.
وفي محور الموارد البشرية، يرى حمضي أن إصلاح المنظومة الصحية يقتضي إعادة صياغة التكوين الصحي كمّاً وكيفاً، عبر ملاءمة أعداد الخريجين مع الحاجيات الفعلية، وتحديث البرامج والكفاءات، وتعزيز الممارسة والبحث العلمي، إلى جانب تطوير التكوين المستمر.
كما تشدد الوثيقة على ضرورة استعادة جاذبية القطاع الصحي العمومي، من خلال التوظيف وتحفيز الاستقرار المهني، بما يسمح بتعزيز أعداد العاملين وتحسين جودة الخدمات الصحية، وصولاً إلى تقليص الخصاص المسجل في صفوف مهنيي الصحة.
وفي ما يتعلق بالحكامة، تشير الوثيقة إلى أن الإصلاح الصحي أفرز عدداً من المؤسسات الجديدة القادرة على إحداث تحول في المنظومة، غير أن أثرها يظل، وفق حمضي، مرتبطاً بحدوث «قطيعة حقيقية» مع محدودية الإدارة التقليدية وروتينها.
وتؤكد الورقة أن تغيير الهياكل وحده لا يكفي، وأن نجاح الإصلاح يتطلب حكامة شفافة تقوم على الاستحقاق وتخضع للمساءلة.
وتستحضر الوثيقة ضمن البنية المؤسساتية الجديدة المجموعات الصحية الترابية، التي تتولى تنسيق العرض الصحي على المستوى الترابي وتحسين القرب والنجاعة والإنصاف، إلى جانب الوكالة المغربية للدم ومشتقاته، المكلفة بضمان توفر الدم ومشتقاته وجودتهما وسلامتهما وتطوير سلسلة آمنة لنقل الدم.
كما تشمل هذه البنية الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، التي تضطلع بمهمة السهر على جودة الأدوية والمنتجات الصحية وسلامتها وفعاليتها طوال دورة حياتها، فضلاً عن الهيئة العليا للصحة، التي تتولى تحديد المعايير وتقييم جودة العلاج وتعزيز سلامة المرضى.
ويقترح الطبيب والباحث اعتماد شروط أكثر صرامة لضمان حكامة فعالة، تبدأ بمساطر اختيار شفافة تقوم على التوظيف والتعيين المفتوح والتنافسي والقابل للتتبع، وفق قواعد واضحة ومنشورة.
كما يشدد على ضرورة اعتماد معايير كفاءة معلنة، تتضمن شروطاً واضحة بشأن المؤهلات والخبرة والنزاهة، على أن تطبق هذه المعايير على الجميع دون استثناء.
وتدعو الوثيقة أيضاً إلى ربط الولايات بالنتائج، عبر تحديد أهداف واضحة تستند إلى مؤشرات معلنة، مع إخضاع النتائج لتتبع دوري، بما يسمح بقياس مدى تحقيق الالتزامات المعلنة.
وفي الإطار ذاته، تقترح الورقة تدبيراً صارماً لتضارب المصالح، من خلال التصريحات الإلزامية والشفافية في الممتلكات ووضع آليات فعلية للوقاية، إلى جانب اعتماد عقود أداء تتضمن التزامات رسمية بين الدولة والمسؤولين، وتحدد الأهداف والموارد والنتائج المنتظرة.
كما توصي بإجراء تقييمات مستقلة ودورية من طرف الهيئات المستقلة، وفق منهجيات موضوعية ومنشورة، وصولاً إلى تعزيز مبدأ تقديم الحساب عبر تقارير علنية وجلسات استماع منتظمة، إلى جانب فتح حوار مع المواطنين ومختلف الأطراف المعنية.
وبذلك، تضع الوثيقة الولوج الفعلي إلى العلاج، والحماية المالية، والوقاية، والموارد البشرية، والحكامة، ضمن مسار واحد يرمي إلى تحويل إصلاح المنظومة الصحية من ورش مؤسساتي إلى تغيير ملموس في تجربة المواطن مع الخدمات الصحية.
مقالات ذات صلة
أحدكورت على صفيح ساخن بسبب سندات الطلب وسط مطالب بالشفافية وتخوفات من شلل المجلس الجماعي
أكاديمية مراكش آسفي تعيد 3485 تلميذاً إلى الدراسة وتكثف جهودها لمحاربة الهدر المدرسي
السفير البريطاني ووالي مراكش آسفي يبحثان آفاق التعاون الجهوي والاستعدادات لمونديال 2030
الرباط تحتضن مؤتمراً حول تكامل الذكاء البشري والاصطناعي في طب المستعجلات
إنقطاعات ومياه عكرة تُخرج ساكنة سطات للإحتجاج أمام البلدية


Comments ( 0 )