سيدي يوسف بن علي.. عمران يسبق المرافق ومنطقة تتسع على الورق فقط

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

في سيدي يوسف بن علي، وتحديداً على مستوى ملحقة الحي الجديد المعروفة محلياً بـ«دوار الضلام»، يبدو أن عجلة البناء تسير بسرعة تفوق بكثير سرعة بناء ما يفترض أن يرافقها من مدارس ومراكز صحية وفضاءات عمومية ومرافق أساسية.

المشهد لا يحتاج إلى كثير من التأمل. تجزئات سكنية كبرى تتوالى، آلاف الشقق والبقع الأرضية تظهر تباعاً، والوعود بمستقبل عمراني جديد تتسع مع كل مشروع، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هي المرافق التي يفترض أن تستوعب سكان هذه التجزئات؟

تجزئة «بساتين الواحة» نموذج صارخ لهذا الإشكال، باعتبارها مشروعاً سكنياً يضم آلاف الشقق، وفق المعطيات المتداولة، في الوقت الذي يطرح فيه غياب مؤسسة تعليمية داخل المشروع أو محيطه المباشر علامات استفهام حقيقية حول التخطيط العمراني المواكب للنمو الديموغرافي.

ولم تتوقف المشاريع عند هذا الحد، إذ جاءت تجزئة «النهى»، بما تحمله بدورها من آلاف الوحدات السكنية، لتعيد السؤال نفسه: أين المدرسة؟ أين المركز الصحي؟ أين المسجد؟ وأين باقي المرافق التي تجعل من التجمع السكني مدينة قابلة للحياة، وليس مجرد جدران إسمنتية متجاورة؟

ثم تأتي تجزئة «دار المراد»، التي يُرتقب أن تعرف بدورها توسعاً عمرانياً كبيراً، لتضيف آلاف البقع والوحدات السكنية إلى منطقة تعرف أصلاً ضغطاً متزايداً على بنياتها ومرافقها.

وهنا لا يتعلق الأمر برفاهية أو كماليات. المدرسة ليست ترفاً، والمستوصف ليس امتيازاً، والمساحات الخضراء ليست زينة، ومقر الأمن أو الوقاية المدنية ليسا تفاصيل يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

عندما يُسمح للمدينة بأن تتوسع أفقياً وعمودياً، فإن السؤال الطبيعي يجب أن يكون: ماذا أعددنا لسكانها؟

أين المدارس التي سيقصدها أبناء هذه الأسر؟

أين المراكز الصحية التي ستستقبل المرضى والنساء والأطفال وكبار السن؟

أين المساجد والفضاءات الخضراء والملاعب ومرافق القرب؟

أين الطرق والممرات وتجهيزات النقل؟

وأين مصالح الوقاية المدنية والأمن الوطني التي يفترض أن تكون قريبة من تجمعات سكانية بهذا الحجم؟

الأخطر من ذلك أن غياب هذه المرافق، إن ثبت على أرض الواقع، لا يمكن اختزاله في مسؤولية منعزلة أو رمي الكرة في ملعب جهة واحدة. فالتخطيط العمراني مسؤولية متشابكة، تبدأ من الدراسات والرخص، وتمر بالتجهيز والتعمير، وتنتهي بمراقبة احترام الالتزامات المعلنة والمصادق عليها.

ومن هنا يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن يخيف أحداً: على أي أساس تمنح الرخص النهائية للمشاريع الكبرى إذا كانت حاجيات السكان المستقبلية من التعليم والصحة والأمن والطرق والفضاءات العمومية غير مؤمنة بشكل كاف؟

وإذا كانت دفاتر التحملات والوثائق التعميرية تفرض التزامات محددة على المنعشين، فهل جرى تنفيذها فعلاً؟ ومن يراقب ذلك؟ ومن يوقع على محاضر التسليم؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول مشروع سكني جديد، بعد سنوات قليلة، إلى عبء إضافي على مرافق قائمة أصلاً لا تستطيع مواكبة الضغط الحالي؟

سيدي يوسف بن علي ليست أرضاً سائبة، وليست منطقة خارج الحسابات.

هي جزء أصيل من مراكش، وسكانها ليسوا مجرد أرقام تضاف إلى الإحصائيات الديموغرافية، كما أن الاستثمار العقاري لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الشقق التي تم بيعها أو الملايير التي دارت في السوق، وإنما أيضاً بما يتركه من قيمة مضافة حقيقية للمدينة وللساكنة.

المستثمر من حقه أن يحقق الربح، وهذا أمر طبيعي في اقتصاد يتحرك بالاستثمار، لكن المواطن أيضاً من حقه أن يعيش في حي تتوفر فيه المدرسة والمستوصف والطريق والمساحة الخضراء والأمن والوقاية المدنية ووسائل النقل. فالمدينة ليست مشروعاً عقارياً فقط، والساكن ليس زبوناً ينتهي دوره بمجرد توقيع عقد الشراء.

ومن هذا المنبر، فإن السؤال يتوجه أيضاً إلى السلطات المحلية والمصالح المختصة: هل توجد رؤية واضحة لمواكبة هذا التوسع العمراني الكبير في سيدي يوسف بن علي؟ وهل جرى احتساب آلاف الأسر التي ستستقر بهذه التجزئات ضمن الخريطة المستقبلية للتعليم والصحة والنقل والأمن والتجهيزات العمومية؟

ثم يأتي السؤال الأكبر: أين هي المراقبة؟

وهنا، لا نطالب بإدانة أحد ولا بإطلاق أحكام جاهزة، وإنما نطالب بشيء بسيط اسمه الشفافية.

ليخرج المسؤولون، إن كانت المعطيات المتداولة غير دقيقة، ليقولوا للناس أين توجد المدارس المبرمجة، وأين ستقام المراكز الصحية، وما هي المشاريع المرتبطة بالطرق والفضاءات الخضراء ومرافق الأمن والوقاية المدنية، وما هي الالتزامات التي رافقت الترخيص لهذه المشاريع.

أما أن تتسع التجزئات بينما تضيق معها مساحة الخدمات العمومية، فهذه معادلة عمرانية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

وسيدي يوسف بن علي لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى رؤية متكاملة تجعل الإنسان في قلب التعمير.

وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المعنية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام توسع عمراني مدروس ومواكب بمرافقه، أم أمام سباق بين الإسمنت والزمن سيدفع المواطن ثمنه مستقبلاً؟

وإذا كانت كل هذه التساؤلات مبنية على معطيات غير دقيقة، فليخرج من يملك المعلومة الرسمية ليصححها للرأي العام. أما الصمت، في مثل هذه الملفات، فلا يزيد إلا منسوب الشك.

سيدي يوسف بن علي تستحق جواباً واضحاً.. وسكانها يستحقون مدينة لا مجرد تجزئات سكنية.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment