سيدي يوسف بن علي.. أوراق موقعة على بياض وتنازلات بالجملة.. من يحرس سلامة العقود الإدارية؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
يبدو أن سيدي يوسف بن علي بمراكش لا يكاد يخرج من دائرة الأسئلة المقلقة حتى يجد نفسه أمام علامات استفهام جديدة تفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي. وهذه المرة، يتعلق الأمر بمعطيات متداولة تتحدث عن عشرات، وربما مئات، من التنازلات، إلى جانب أوراق مختومة وموقعة على بياض، يُقال إنها استُعملت لتسهيل إبرام العقود داخل بعض الملحقات الإدارية التابعة لمقاطعة سيدي يوسف بن علي.
إنها ادعاءات خطيرة، إن ثبتت صحتها، فلن يكون من المقبول التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل إدارية عابرة، أو تجاوزات يمكن طيها بالصمت والتجاهل. فالتوقيع على وثيقة فارغة، إن ثبت وقوعه واستعماله خارج الضوابط القانونية، يطرح أسئلة جوهرية حول سلامة المساطر، وحدود المسؤولية، ومدى احترام حقوق المواطنين الذين يلجؤون إلى الإدارة بحثا عن الوثائق القانونية التي تحفظ مصالحهم وتصون ممتلكاتهم.
فمن يمنح الشرعية لوثيقة لا يعرف صاحبها مضمونها النهائي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا تحولت ورقة موقعة على بياض إلى أداة لإبرام عقد أو ترتيب آثار قانونية لم يكن المواطن على علم بها؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل أسئلة تمس الثقة في الإدارة، وتضع مبدأ الأمن التعاقدي أمام اختبار حقيقي. فالإدارة ليست فضاء لتدبير الملفات بمنطق التسهيلات غير المنضبطة، ولا يجوز أن تتحول الإجراءات الإدارية إلى منطقة رمادية تضيع فيها المسؤوليات بين الموظف والمواطن والجهة التي يفترض أن تراقب سلامة المساطر.
والأخطر في هذه القضية، إن تأكدت المعطيات المتداولة، ليس فقط احتمال وجود وثائق موقعة على بياض، بل احتمال أن تكون هناك ممارسات متكررة جرى التعامل معها باعتبارها أمرا عاديا. وهنا يصبح السؤال أكبر من وثيقة أو توقيع: هل يتعلق الأمر بحالات معزولة، أم أن هناك خللا في منظومة التدبير والمراقبة يستدعي افتحاصا شاملا؟
إن الحديث عن عشرات أو مئات التنازلات يستوجب التحقق الدقيق من طبيعتها، وظروف تحريرها، والجهات التي أشرفت عليها، ومدى احترامها للإرادة الحقيقية لأصحابها. كما يستوجب التأكد من وجود الوثائق المعنية، وفحص سجلاتها ومساراتها الإدارية، والاستماع إلى الأطراف المعنية، حتى لا تتحول خطورة الادعاءات إلى مادة للتشهير من جهة، أو إلى ملف يُطوى قبل كشف الحقيقة من جهة أخرى.
المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام مسبقة، بل فتح باب الحقيقة على مصراعيه. فحقوق المواطنين ليست موضوعا للمجاملة، وسلامة العقود ليست مسألة شكلية، وأي شبهة تمس استعمال الوثائق الإدارية خارج القانون تستحق التحقق الجدي والمسؤول.
ومن هذا المنطلق، فإن الجهات المختصة مطالبة بالتعامل مع هذه المعطيات بما يلزم من جدية، عبر التحقق من حقيقة الأوراق المختومة والموقعة على بياض، إن وُجدت، وتحديد ظروف استعمالها، ومراجعة ملفات التنازلات والعقود التي تحيط بها الشكوك، مع ترتيب المسؤوليات وفق ما قد تكشف عنه نتائج البحث.
أما الصمت، إن ثبتت وقائع تستوجب التوضيح، فلن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الشكوك وتعميق أزمة الثقة. فالمواطن الذي يضع توقيعه لدى الإدارة يفترض أن يجد أمامه ضمانات قانونية تحميه، لا أن يظل متوجسا من احتمال استعمال وثائقه في غير الغرض الذي وافق عليه.
سيدي يوسف بن علي ليست خارج القانون، وملحقاتها الإدارية ليست فوق المساءلة. وإذا كانت هذه الادعاءات غير صحيحة، فإن التوضيح الرسمي كفيل بوضع حد للتأويلات. أما إذا كشفت التحقيقات عن اختلالات أو تجاوزات، فإن المسؤولية تقتضي تحديدها ومحاسبة المتورطين فيها، دون انتقائية أو تستر.
المطلوب اليوم هو الانتقال من دائرة الكلام إلى دائرة التحقق. فالمسؤولية الإدارية تقتضي أن تكون الوثائق قابلة للتتبع والمراجعة، وأن تكون هوية من حررها وصادق عليها واضحة، وأن يجد المواطن جهة يلجأ إليها عندما يشك في سلامة إجراء يمس حقوقه ومصالحه.
كما أن المسؤولية لا تعني اتهام موظف أو مسؤول بعينه دون أدلة، بل تعني إخضاع الوقائع للفحص، وضمان حق جميع الأطراف في التوضيح، وترتيب الآثار القانونية بناء على ما يثبته التحقيق، لا على ما تتناقله الألسن.
ومن هنا، فإن الجهات المختصة مطالبة بتوضيح حقيقة هذه المعطيات، والتحقق من وجود الوثائق المعنية وطبيعة التنازلات المرتبطة بها، مع التأكد من احترام المساطر القانونية المعمول بها. وإذا ثبت وجود استعمال غير مشروع لوثائق موقعة أو مختومة على بياض، فإن الأمر يقتضي تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
أما إذا كانت المعطيات المتداولة غير دقيقة، فمن حق الرأي العام أن يتلقى توضيحا رسميا يضع حدا للالتباس، ويحمي سمعة المؤسسات والموظفين من الاتهامات غير المثبتة.
فسيدي يوسف بن علي لا تحتاج إلى مزيد من علامات الاستفهام، بل إلى أجوبة واضحة. والمواطن لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد إدارة تحمي حقوقه، ومساطر مفهومة، ووثائق لا تثير الشكوك، ومحاسبة عادلة كلما ثبت وجود إخلال بالقانون.
إن الثقة في الإدارة لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالشفافية والوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة. وأمام خطورة ما يُتداول، يبقى السؤال مفتوحا: هل تتحرك الجهات المختصة للتحقق من حقيقة هذه المعطيات، أم ستظل القضية حبيسة الصمت والانتظار؟
إنها لحظة الحقيقة: إما توضيح شفاف يبدد الشكوك، وإما تحقيق جدي يكشف مكامن الخلل. أما ترك أسئلة من هذا الحجم معلقة، فلن يخدم الإدارة ولا المواطنين، ولن يحمي سوى الغموض.
جريدة المحور الصحفي تضع هذه المعطيات في إطار المطالبة بالتوضيح والتحقيق، وتؤكد أن الأصل هو احترام قرينة البراءة، مع ضمان حق جميع الأطراف المعنية في الرد والتوضيح.
مقالات ذات صلة
سيدي يوسف بن علي.. أوراق موقعة على بياض وتنازلات بالجملة.. من يحرس سلامة العقود الإدارية؟
سيدي يوسف بن علي.. عمران يسبق المرافق ومنطقة تتسع على الورق فقط
بعد صدمة 38.08%.. هل يكون تشكيل الحكومة «الفرز الثاني» للنخب؟
العد العكسي يرفع حرارة الانتخابات بالمغرب.. حين تدخل السياسة مرحلة «شدّ الصفوف»
الفقر ليس صندوقاً انتخابياً.. حين يتحول المواطن إلى «صوت قابل للشراء»


Comments ( 0 )