البرلمان المغربي.. حين يعلو الصراخ على صوت السياسة وتتحول الرقابة إلى استعراض فارغ

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

ليست أخطر الأزمات التي يمكن أن تعيشها المؤسسات الدستورية تلك التي تنشأ عن اختلاف وجهات النظر، أو احتدام الصراع بين الأغلبية والمعارضة، فذلك جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية، بل إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يفقد الاختلاف السياسي معناه، ويتحول النقاش المؤسساتي إلى مشهد من الصراخ والملاسنات وتبادل الاتهامات الخطيرة، بينما تتراجع القضايا الحقيقية للمواطنين إلى الصفوف الخلفية. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد الذي رافق مناقشة البرنامج الحكومي داخل مجلس النواب مدعاة للتأمل والمساءلة، ليس فقط بشأن سلوك بعض البرلمانيين، بل أيضا بشأن أزمة أعمق تمس طبيعة النخب السياسية وقدرتها على ممارسة أدوارها الدستورية.

فالجلسة البرلمانية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي ليست موعدا بروتوكوليا لالتقاط الصور وتبادل العبارات الرنانة، وليست مسرحا لاستعراض العضلات الكلامية أو تصفية الحسابات الشخصية. إنها محطة دستورية يفترض أن تخضع فيها الاختيارات الحكومية للنقاش والتدقيق، وأن يجد المواطن نفسه حاضرا في صلب المرافعات البرلمانية، من خلال الأسئلة المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد. لكن حين يطغى الضجيج على مضمون النقاش، تصبح المؤسسة أمام مفارقة مؤلمة: برلمان يمتلك أدوات دستورية للرقابة والمساءلة، لكنه قد يعجز، في بعض اللحظات، عن تحويل هذه الأدوات إلى ممارسة سياسية مقنعة.

إن المشهد الذي طغت عليه المواجهات الكلامية وتبادل اتهامات خطيرة، من بينها اتهامات بالفساد والاتجار في المخدرات، يطرح سؤالا جوهريا: هل أصبح بعض الفاعلين السياسيين يعتقدون أن رفع الصوت يعوض ضعف الحجة، وأن إطلاق الاتهامات يغني عن تقديم الأدلة، وأن إحراج الخصم أمام الكاميرات أهم من إحراج الحكومة أمام الرأي العام بأرقام دقيقة ومعطيات موثقة؟

إذا كانت هذه الاتهامات قد قيلت بالفعل في سياق الجلسة، فإن خطورتها لا تكمن في حدتها وحدها، بل في ما تفرضه من مسؤولية سياسية وأخلاقية. فالاتهام الخطير ليس مادة للاستهلاك اللحظي، ولا ورقة للمزايدة أمام الجمهور، وإنما ادعاء يستوجب، متى تعلق الأمر بأفعال يعاقب عليها القانون، سلوك المساطر القانونية المختصة وتقديم ما يسنده من أدلة. أما تحويل اتهامات من هذا النوع إلى ذخيرة في معركة كلامية، فإنه يسيء إلى قرينة البراءة، ويضعف الثقة في المؤسسات، وقد يساهم في إفراغ مكافحة الفساد من مضمونها الحقيقي.

من حق المعارضة أن تنتقد الحكومة بشدة، ومن واجبها أن تكشف مواطن الخلل في برنامجها، وأن تواجه اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية بالأسئلة الصعبة، وأن تطالبها بتقديم الحساب عن وعودها والتزاماتها. وليس مطلوبا من المعارضة أن تجامل الأغلبية أو أن تخفف من حدة انتقاداتها إرضاء لأي طرف، لأن الديمقراطية لا تقوم على الإجماع المصطنع، بل على الاختلاف المسؤول والتنافس في تقديم البدائل.

لكن المعارضة القوية ليست تلك التي تعارض كل شيء لمجرد إثبات وجودها، وإنما تلك التي تعرف أين تضغط، ومتى تسائل، وكيف تحوّل أخطاء الحكومة وتناقضاتها إلى مادة للنقاش العمومي. المعارضة التي تمتلك الأرقام والوثائق والبدائل تستطيع أن تحاصر الحكومة سياسيا دون أن تحتاج إلى الصراخ، بينما المعارضة التي تستهلك طاقتها في الملاسنات قد تمنح خصمها فرصة للهروب من الأسئلة الجوهرية التي كان يفترض أن يجيب عنها.

والأخطر أن يتحول الاعتراض إلى غاية في حد ذاته، فيصبح رفض كل مبادرة حكومية موقفا جاهزا، بدل إخضاع كل إجراء لمعيار المصلحة العامة ونتائجه الفعلية. فليس كل ما تقترحه الحكومة صحيحا، كما أن ليس كل ما يصدر عنها خاطئا بالضرورة. وظيفة المعارضة هي التمييز بين ما يخدم المواطنين وما يضر بمصالحهم، وتقديم البديل حيثما اقتضى الأمر، لا تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة دائمة تستنزف المؤسسة وتترك المجتمع خارج دائرة الاهتمام.

غير أن توجيه النقد إلى المعارضة لا ينبغي أن يتحول إلى صك براءة للأغلبية الحكومية. فالأغلبية التي تستند إلى عدد المقاعد لا تكتسب بذلك حصانة سياسية، ولا يصبح برنامجها فوق النقد، ولا يجوز لها أن تتعامل مع المساءلة باعتبارها إزعاجا أو محاولة لتعطيل عمل الحكومة. إن الشرعية الانتخابية تمنح حق التدبير، لكنها تفرض في المقابل واجب التفسير والتبرير وتقديم النتائج.

ومن مسؤولية رئيسة الحكومة والوزراء مواجهة الأسئلة الصعبة بأجوبة واضحة، والرد على الانتقادات بالحجج والمعطيات، لا الانجرار إلى سجالات شخصية أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات مع الخصوم. فالحكومة التي تثق في برنامجها يفترض أن تكون قادرة على الدفاع عنه بلغة الأرقام والالتزامات القابلة للقياس، وأن توضح للمواطنين ما تحقق وما تعثر، وما الأسباب التي حالت دون الوفاء ببعض الوعود، وما الآجال التي تقترحها لتدارك الاختلالات.

إن البرلمان ليس فضاء لتبادل الإهانات، كما أنه ليس مؤسسة للتصفيق للحكومة. إنه فضاء للمساءلة المتبادلة، حيث تتحمل الأغلبية مسؤولية قراراتها، وتتحمل المعارضة مسؤولية نقدها، ويظل المواطن هو المستفيد المفترض من هذا التوازن. وأي طرف يحاول تحويل الجلسات إلى معارك شخصية، سواء كان في الأغلبية أو المعارضة، يساهم في إضعاف النقاش العمومي، ويمنح الانطباع بأن الصراع على المواقع قد أصبح أهم من الصراع من أجل تحسين شروط عيش المواطنين.

أما النقاش الأعمق، فيتعلق بكيفية إنتاج النخب السياسية، وبالمعايير التي تحكم اختيار المرشحين وتزكيتهم داخل الأحزاب. فحين تتقدم القدرة على تمويل الحملات الانتخابية، أو النفوذ المحلي، أو الحسابات الانتخابية الضيقة، على الكفاءة والنزاهة والقدرة على التشريع والترافع، فإن المؤسسة التشريعية تصبح معرضة لخطر اختلال التوازن بين الشرعية الانتخابية والقدرة الفعلية على أداء المهام البرلمانية.

ولا يعني ذلك أن المال أو النجاح المهني يجعلان صاحبهما غير مؤهل للتمثيل، ولا أن جميع المنتخبين يفتقرون إلى الكفاءة، بل إن المشكلة تكمن في غياب معايير واضحة وشفافة تضمن أن تكون التزكية الحزبية مبنية على الاستحقاق والالتزام بالبرنامج والقدرة على خدمة الصالح العام، لا على مجرد امتلاك الموارد أو ضمان الأصوات.

إن وصف بعض المرشحين بـ«أصحاب الشكارة» قد يلخص، في الخطاب السياسي المتداول، مخاوف مشروعة بشأن تأثير المال في الحياة الانتخابية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن مستوى البرلمان تراجع بسبب هذه الفئة تحديدا. المطلوب هو نقاش جدي يستند إلى معطيات موثوقة حول تمويل الحملات، وشفافية التزكيات، وتكافؤ الفرص، ومدى التزام المنتخبين بواجباتهم. فإصلاح الحياة السياسية لا يتحقق بالتعميم والاتهام، وإنما بوضع قواعد تحاصر تضارب المصالح وتمنع استغلال النفوذ وتفتح المجال أمام الكفاءات والأطر والشباب والطاقات القادرة على الإسهام في التشريع والرقابة.

إن الأحزاب التي تختزل المرشح في قدرته على جلب الأصوات، ثم تتركه بعد انتخابه دون تأطير سياسي أو تكوين تشريعي، تتحمل بدورها جزءا من المسؤولية عن ضعف الأداء. فالعمل البرلماني ليس امتدادا لحملة انتخابية دائمة، بل مهنة مؤسساتية تتطلب معرفة بالدستور والقوانين والمالية العامة والسياسات العمومية وآليات الرقابة. ومن دون هذا التأهيل، يصبح من الصعب الانتقال من الخطاب الشعبوي إلى ممارسة رقابية فعالة، ومن الشعارات الانتخابية إلى اقتراح حلول قابلة للتنفيذ.

لقد كرس الدستور المغربي لسنة 2011 مكانة مهمة للمعارضة البرلمانية، ونص في الفصل العاشر على حقوقها التي تمكنها من النهوض بمهامها، كما أقر آليات متعددة للمراقبة والمساءلة في إطار التوازن بين السلط. وهذه المكانة ليست امتيازا شكليا أو مجرد اعتراف رمزي، بل ضمانة مؤسساتية تهدف إلى حماية التعددية السياسية، وتوسيع النقاش التشريعي، ومنع احتكار الأغلبية للعمل البرلماني.

لكن الحقوق الدستورية لا تتحول تلقائيا إلى ممارسة ناجعة. فامتلاك الأدوات القانونية شيء، وحسن استخدامها شيء آخر. ويمكن للمعارضة أن تستثمر الأسئلة الشفوية والكتابية، واللجان النيابية لتقصي الحقائق وفق شروطها الدستورية والقانونية، ومقترحات القوانين، ومناقشة الميزانية، وغيرها من الآليات المتاحة، لتضع السياسات الحكومية تحت مجهر التقييم. كما يمكنها أن تبني مواقفها على تقارير المؤسسات الدستورية والرقابية، وأن تستعين بالخبراء والمعطيات الاقتصادية والاجتماعية لتقديم نقد يتجاوز الانطباعات إلى الاستنتاجات المدعومة بالأدلة.

والأمر نفسه ينطبق على الأغلبية، التي لا ينبغي أن تتعامل مع هذه الآليات بوصفها عراقيل إجرائية، بل باعتبارها جزءا من الشرعية الديمقراطية التي تستمد منها المؤسسات قوتها. فكلما كان النقاش البرلماني جادا وشفافا، ازدادت فرص اكتشاف الأخطاء وتصحيحها، وتحسنت جودة القوانين والسياسات العمومية.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المعارضة تملك حقوقا دستورية، فهي تملكها بمقتضى الدستور، وإنما ما إذا كانت قادرة على تحويلها إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. كما أن السؤال ليس ما إذا كانت الأغلبية قادرة على تمرير برنامجها، وإنما ما إذا كانت مستعدة لإخضاعه للتقييم والمراجعة والمساءلة.

إن المواطن اليوم لا يقيس قيمة البرلمان بعدد المرات التي ارتفعت فيها الأصوات، ولا بعدد الاتهامات التي تبادلها النواب، ولا بمدى انتشار مقاطع المواجهات على مواقع التواصل الاجتماعي. ما يعنيه المواطن هو أن يجد مؤسسة تدافع عن مصالحه، وتراقب تدبير المال العام، وتناقش القوانين التي تؤثر في حياته، وتكشف مكامن الخلل، وتطالب بالحلول والآجال والنتائج.

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، أو يبحث عن فرصة عمل، أو ينتظر موعدا للعلاج، أو يقلقه مستوى المدرسة العمومية، لا يجد في الصراخ البرلماني جوابا عن أسئلته. وهو حين يشاهد ممثليه يتبادلون الاتهامات دون أن يتضح له مضمون الخلاف أو الأدلة التي يستند إليها كل طرف، قد يزداد اقتناعا بأن السياسة أصبحت بعيدة عن أولوياته، وأن المؤسسات التي يفترض أن تنقل مطالبه لا تنجح دائما في تحويلها إلى نقاش جاد.

وهنا تكمن الكلفة الحقيقية للفوضى داخل المؤسسة التشريعية: إنها لا تنتهي بانتهاء الجلسة، بل تمتد إلى صورة العمل السياسي في المجتمع، وإلى مستوى الثقة في الأحزاب والمنتخبين، وإلى استعداد المواطنين للمشاركة في الحياة العامة. وعندما يصبح الاستعراض أكثر حضورا من الإنجاز، تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسة، ويجد الخطاب المعادي للعمل السياسي أرضية خصبة للانتشار.

إن استعادة الثقة لا تحتاج إلى خطابات إضافية عن الديمقراطية، بقدر ما تحتاج إلى ممارسة يومية تجعل الديمقراطية محسوسة في جودة النقاش، ووضوح المواقف، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن ما يثير القلق في مشاهد التوتر البرلماني ليس مجرد ارتفاع الأصوات أو احتدام النقاش، بل احتمال أن يصبح ذلك بديلا عن الوظيفة الأصلية للمؤسسة التشريعية. فالاختلاف حق، والمعارضة ضرورة، والمواجهة السياسية مشروعة، لكن تحويل هذه العناصر إلى فوضى كلامية يبدد قيمتها ويضعف أثرها.

وإذا كانت هناك اتهامات خطيرة بالفساد أو الاتجار في المخدرات، فإن الطريق المسؤول ليس توظيفها في المزايدات، بل إسنادها بالأدلة وسلوك المساطر القانونية المختصة. وإذا كانت هناك اختلالات في البرنامج الحكومي، فإن الطريق الأنجع هو كشفها بالأرقام والوقائع وتقديم البدائل. وإذا كانت هناك أزمة في أداء بعض المنتخبين، فإن معالجتها تبدأ من الأحزاب، ومن قواعد التزكية والتكوين والتأطير، ولا تنتهي عند مطالبة النواب باحترام النظام الداخلي للمجلس.

إن البرلمان لا يحتاج إلى نواب أقل اختلافا، بل إلى نواب أكثر قدرة على إدارة الاختلاف. ولا يحتاج إلى معارضة صامتة، بل إلى معارضة قوية بالحجة والوثيقة والبديل. ولا يحتاج إلى أغلبية محصنة بعدد المقاعد، بل إلى أغلبية تدرك أن شرعيتها السياسية تتجدد بقدر ما تقدم من نتائج وتقبل من مساءلة.

فالديمقراطية لا تُقاس بعلو الصوت، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل الخلاف إلى قرارات، والوعود إلى التزامات، والرقابة إلى محاسبة، والتمثيل الانتخابي إلى خدمة عامة. أما حين يصبح الصراخ هو اللغة السائدة تحت القبة، فإن الخاسر الأول ليس الحكومة ولا المعارضة، بل المواطن الذي ينتظر من ممثليه أن يشتغلوا باسمه، لا أن يتصارعوا أمامه.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment