تندوف على صفيح ساخن.. اتهامات بقمع المعارضين تفتح ملف الحريات وتضع مستقبل قيادة البوليساريو أمام أسئلة محرجة

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

لم تعد الخلافات داخل مخيمات تندوف محصورة في حدود التباين السياسي بشأن مستقبل النزاع حول الصحراء، بل بدأت تطرح، وفق تقارير ومعطيات متداولة، أسئلة أكثر حساسية تتعلق بحرية التعبير، وحدود الاختلاف مع قيادة جبهة البوليساريو، ومدى قدرة السكان على إعلان مواقف سياسية مخالفة للتوجه الرسمي للجبهة، دون التعرض للاعتقال أو التهديد أو التضييق.

فالاتهامات التي تحدثت عن توقيف أشخاص معارضين لقيادة إبراهيم غالي، بسبب انتقادهم طريقة تدبير الجبهة وإعلان تأييدهم لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تعيد إلى الواجهة إشكالية قديمة متجددة: هل تسمح القيادة الحالية بتعدد الآراء داخل المخيمات، أم أن الاختلاف السياسي أصبح يُعامل باعتباره خروجاً عن الخط المرسوم؟

وتكتسي هذه الاتهامات أهمية إضافية بالنظر إلى ما يُقال عن مشاركة عناصر تابعة للبوليساريو وأفراد من الدرك الجزائري في عمليات الاعتقال المبلغ عنها. وهي معطيات، إن ثبتت صحتها، من شأنها أن تثير تساؤلات جدية حول الجهة التي تمارس السلطة الفعلية داخل المخيمات، وحدود مسؤولية كل طرف عن ضمان الحقوق الأساسية للسكان. ومع ذلك، فإن غياب معطيات مستقلة بشأن أعداد الموقوفين وملابسات توقيفهم يفرض التعامل مع هذه الروايات باعتبارها اتهامات تحتاج إلى تحقيق وتحقق مستقلين.

ما يلفت الانتباه في هذه التطورات هو أن الخلاف، وفق الروايات المتداولة، لم يعد يقتصر على انتقاد أداء القيادة أو المطالبة بتغيير أسلوب تدبير الجبهة، بل امتد إلى التعبير عن تصور سياسي مختلف لمستقبل الصحراء، يتضمن تأييد مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

وهنا تبرز المفارقة السياسية: إذا كانت جبهة البوليساريو تقدم نفسها باعتبارها ممثلاً لتطلعات الصحراويين، فكيف يمكن تفسير اتهامات التضييق على أشخاص يعلنون مواقف مخالفة لقيادتها؟ وأي معنى لأي مشروع سياسي لا يتسع للاختلاف ولا يسمح للسكان بالتعبير عن خياراتهم دون خوف؟

إن مشروعية أي قيادة سياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على تماسك تنظيمها، بل أيضاً بمدى احترامها لحق الاختلاف، وقبولها بالنقد، وقدرتها على تدبير التباينات الداخلية دون اللجوء إلى أساليب الترهيب أو الإقصاء. ولذلك، فإن أي اعتقالات أو تهديدات تستهدف أشخاصاً بسبب آرائهم السياسية، إذا ثبتت، لن تكون مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل قضية حقوقية تستوجب المساءلة.

تأتي هذه التطورات المبلغ عنها في سياق دبلوماسي يتسم بحساسية خاصة، مع استمرار متابعة مجلس الأمن الدولي للنزاع حول الصحراء، وتواصل الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية. كما يتزامن ذلك مع تنامي النقاش الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي تحظى بدعم الولايات المتحدة ودول أخرى.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش الحقوقي داخل المخيمات عن النقاش السياسي الأوسع، لأن أي تسوية مستدامة لا تتعلق فقط بالمواقف الدبلوماسية للأطراف، بل ترتبط أيضاً بضمان كرامة السكان وحقوقهم، وتمكينهم من التعبير عن تطلعاتهم واختياراتهم السياسية.

ومن ثم، فإن الاتهامات المتعلقة بالاعتقالات والتهديدات تضع قيادة البوليساريو أمام اختبار يتعلق بمدى استعدادها لتقديم توضيحات للرأي العام، كما تضع الجهات المعنية أمام مسؤولية التعامل مع الشكايات الحقوقية بجدية وشفافية، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات.

وبالتوازي مع هذه الاتهامات، أعاد تقرير نشره موقع «ساحل إنتليجنس» الفرنسي فتح النقاش حول مستقبل إبراهيم غالي، بعدما نقل عن مصادر وصفها بالمطلعة معلومات تتحدث عن عرض مالي محتمل اقترحته جهات جزائرية مقابل مغادرته البلاد والتخلي عن نفوذه داخل مخيمات تندوف، تمهيداً لاستقراره في إسبانيا.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد تغيير في مكان إقامة زعيم البوليساريو، بل قد يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن طبيعة العلاقة بين القيادة الحالية والجهات الداعمة لها، ومدى ارتباط مستقبل الجبهة بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز حدود المخيمات.

لكن التقرير، بحسب المعلومات الواردة في المادة المنشورة، لم يقدم وثائق تثبت وجود اتفاق نهائي، كما لم يحدد قيمة العرض المالي أو الجهة التي ستتولى تنفيذه. وبالتالي، فإن الحديث عن قرار جزائري محسوم بإنهاء مرحلة إبراهيم غالي يظل استنتاجاً غير مثبت، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة سياسية قائمة.

ومن بين الجوانب التي أثارها التقرير الفرنسي، الحديث عن وثائق يُعتقد أن بوعلام بوعلام، المدير السابق لديوان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ربما احتفظ بها في مكان آمن بأوروبا، وما قد تتضمنه، وفق رواية الموقع، من معلومات تتعلق بشخصيات نافذة داخل مؤسسات الدولة وملفات مالية ودبلوماسية وأمنية حساسة.

كما تحدث التقرير عن تحريات تستهدف محيط المسؤول السابق، وعن اهتمام جهات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية بمحتويات هذه الوثائق المفترضة، في ظل ما وصفه الموقع بمخاوف من انكشاف معلومات تتصل بعلاقات الجزائر الخارجية وملفات إقليمية متعددة.

ومن بين القضايا التي أشار إليها التقرير العلاقات الجزائرية الإيرانية، فضلاً عن مزاعم بشأن أنشطة للسلطات الجزائرية وجبهة البوليساريو في سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد. غير أن هذه الادعاءات لم تُرفق، في المعطيات المتاحة، بوثائق منشورة تسمح بالتحقق من مضمونها أو تحديد المسؤوليات بشأنها.

والأمر نفسه ينطبق على ما أورده التقرير بخصوص تحويل أموال إلى الخارج عبر هياكل مالية وقانونية معقدة، والاستعانة بوسطاء في مجالات المحاماة والخدمات المصرفية والاستشارات. فهذه مزاعم ذات طبيعة خطيرة، ولا يكفي تداولها إعلامياً لإثباتها، ما لم تدعمها وثائق مالية أو تحقيقات موثوقة.

تضع هذه المعطيات، إذا ثبتت صحتها، العلاقة بين الجزائر وقيادة البوليساريو أمام نقاش يتجاوز الدعم السياسي والدبلوماسي إلى طبيعة التأثير في القرارات الداخلية للجبهة ومستقبل قيادتها.

فإذا كانت هناك بالفعل ترتيبات لإعادة رسم مستقبل إبراهيم غالي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يتعلق الأمر بتغيير في الأشخاص أم بمراجعة أوسع لطريقة تدبير الملف؟ وهل يمكن أن تكون الخلافات الداخلية والاتهامات الحقوقية مؤشراً على توترات مرتبطة بمستقبل القيادة، أم أنها مجرد تطورات متفرقة جرى وضعها في سياق سياسي واحد؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تُبنى على التسريبات وحدها، لكنها تظل مشروعة في ضوء ما يثيره التقرير من ادعاءات، وما يرافقها من نقاش حول مستقبل الجبهة وعلاقاتها الإقليمية.

ما تكشفه هذه الروايات، بصرف النظر عن مدى ثبوت تفاصيلها، هو أن النقاش حول مخيمات تندوف لم يعد محصوراً في المواقف الدبلوماسية المتعلقة بالنزاع، بل بات يشمل أيضاً قضايا الحريات والتمثيلية السياسية ومستقبل القيادة وطبيعة العلاقة مع الجزائر.

فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن سيقود جبهة البوليساريو مستقبلاً، أو بما إذا كان إبراهيم غالي سيستمر في موقعه، وإنما تتعلق أيضاً بمدى قدرة القيادة على إقناع السكان بسلامة اختياراتها السياسية، واحترام حقهم في الاختلاف والتعبير عن تصورات مغايرة.

إن أي مشروع سياسي يدعي الدفاع عن تطلعات السكان لا يمكن أن يتجاهل حقوقهم الأساسية، ولا أن يجعل الاختلاف سبباً للتضييق أو الإقصاء. فالمستقبل لا يُحسم فقط في أروقة مجلس الأمن أو عبر الحسابات الإقليمية، بل يتحدد أيضاً بمدى احترام إرادة الإنسان وحقه في اختيار الموقف الذي يراه مناسباً لمستقبله.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment