طهران تلوّح برد عسكري «يفوق التصور» وتحذر أوروبا من كلفة الحرب.. والدوحة تتحرك لإحياء المفاوضات

المحور الصحفي // هيئة التحرير

صعّدت إيران من لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوّحة برد عسكري وصفته بأنه «سيفوق التصور»، ومؤكدة أن أي مواجهة جديدة لن تظل محصورة في نطاق جغرافي محدد، في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إعادة إطلاق المفاوضات بين طهران وواشنطن، وسط تداعيات اقتصادية متصاعدة للحرب على الأسواق الأوروبية، خصوصاً في قطاع الطاقة.

وفي هذا السياق، توعد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء علي عبد اللهي، الولايات المتحدة وإسرائيل برد قوي على أي هجوم يستهدف بلاده، مؤكداً أن القوات الإيرانية لن تلتزم بحدود جغرافية في التعامل مع أي اعتداء محتمل.

وقال عبد اللهي إن القوات المسلحة الإيرانية سترد على أي هجوم «بقوة هائلة»، تنفيذاً لتوجيهات المرشد، مشيراً إلى امتلاكها مخزوناً جديداً من الأهداف التابعة للخصم وأصوله، وأن هذه الأهداف مدرجة ضمن خططها العسكرية.

وأضاف المسؤول العسكري أن طهران لن تنتظر بالضرورة مبادرة الطرف الآخر إلى التحرك، بل ستحدد توقيت الرد وطبيعته إذا رصدت مؤشرات على عمل عدائي، مشدداً على أن إيران ستحدد بنفسها نهاية أي حرب جديدة.

كما أوضح أن القوات الإيرانية تتابع تحركات الطرف الآخر واستعداداته بواسطة قدراتها الاستخبارية، وتعمل باستمرار على تحديث بنك أهدافها، قبل أن يؤكد أن القوات المسلحة ستواصل المقاومة حتى النهاية في مواجهة أي هجوم، مهما كان مستواه أو شكله.

وفي السياق ذاته، وجّه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي سلسلة من التوجيهات إلى قادة القوات المسلحة، شدد فيها على ضرورة مواجهة أي تهديد برد فوري ومؤثر، ومن دون قيود جغرافية، مع رفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز القدرات الدفاعية والاستخبارية.

واعتبر خامنئي أن الجاهزية القتالية الدقيقة تشكل أحد الشروط الأساسية لتحقيق الردع ومواجهة التهديدات، مضيفاً أنه في حال أقدم الخصوم على شن هجمات عسكرية، فإن القوات المسلحة والشعب الإيراني سيحددان نهايتها وظروفها.

ودعا المرشد الإيراني إلى تطوير البنية الاستخبارية العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية، إلى جانب تحديث بنك الأهداف، ووضع الأصول الأمريكية والإسرائيلية ضمن دائرة الاستهداف المحتمل.

كما وصف وحدة ساحات ما يسمى «جبهة المقاومة» بأنها عامل مؤثر في تشكيل التوازنات السياسية والأمنية بالمنطقة، معتبراً أن الدعم الداخلي للقوات المسلحة يشكل إحدى ركائز الردع في مواجهة الخصوم.

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تتواصل التحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء المواجهة، إذ أفادت مصادر إعلامية أمريكية بأن وفداً من واشنطن يترقب إمكانية التوجه إلى العاصمة القطرية الدوحة، في حال توصلت قطر وإيران إلى تفاهم بشأن خارطة طريق تمهد لاستئناف المفاوضات.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن الزيارة لا تزال مشروطة بتحقيق تقدم في الاتصالات الجارية مع طهران، فيما تتمسك إيران بضرورة التوصل إلى وقف كامل للحرب قبل الدخول في أي مفاوضات.

ولم تتضح بعد تفاصيل خارطة الطريق المطروحة أو طبيعة التفاهمات التي يجري بحثها بين الدوحة وطهران، غير أن تحرك الوفد الأمريكي يظل مرتبطاً بنتائج هذه الاتصالات ومدى قدرتها على تقريب وجهات النظر بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، نقل موقع «أكسيوس» أن وسطاء قطريين أجروا محادثات في طهران استمرت لأكثر من 12 ساعة، سعياً إلى التوصل إلى تفاهم يعيد إطلاق المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، على أن تتواصل الاتصالات في الدوحة.

ومن جهة أخرى، وجّه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، انتقادات حادة إلى الدول الأوروبية بسبب مواقفها من الحرب، متهماً إياها بالتغاضي سابقاً عن ما وصفه بالانتهاكات الإسرائيلية، قبل أن تشتكي اليوم من التداعيات الاقتصادية للصراع.

وقال رضائي إن «الحرب والإرهاب لهما ثمن، والآن جاء دوركم لتدفعوا هذا الثمن»، في رسالة نشرها عبر منصة «إكس»، تحدث فيها عن التناقض بين المواقف الأوروبية السابقة والقلق الحالي من الكلفة الاقتصادية للحرب.

وأضاف مخاطباً الدول الأوروبية: «عندما كنتم تصفقون لجرائم الحرب، ألم يخطر ببالكم أن تداعياتها ستطالكم أنتم أيضاً؟».

وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه الاقتصادات الأوروبية ضغوطاً متزايدة بسبب اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الإمدادات والنقل، وهي تداعيات ترتبط بالتوترات العسكرية التي طالت منطقة الخليج وممرات التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الجمعة، إن ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب كلف أوروبا أكثر من 100 مليار يورو خلال الأشهر الثمانية الماضية، داعياً أطراف الصراع إلى التوصل إلى تسوية دبلوماسية.

وأكد ميرتس أن النزاع لا يمكن حله عسكرياً، موجهاً نداءً إلى جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل، من أجل وقف التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.

وكان المجلس الأوروبي قد دعا، في وقت سابق، إلى خفض التوترات واستئناف الجهود الدبلوماسية، مع التشديد على احترام القانون الدولي، إلى جانب إدانة الهجمات الإيرانية على دول المنطقة ومطالبة طهران بالامتناع عن أي أعمال من شأنها تهديد أمن جيرانها.

ومن جانبها، أفادت المفوضية الأوروبية بأن أسعار الغاز ارتفعت بنحو 140 في المائة، فيما تضاعفت أسعار الديزل، محذرة من أن الأسر والشركات الأوروبية أصبحت تتحمل كلفة أزمة تتجاوز تداعياتها الحدود الجغرافية للصراع.

ولا تقتصر هذه الضغوط على فواتير الطاقة، بل تمتد إلى تكاليف النقل والشحن، نتيجة ارتفاع أسعار الديزل ووقود السفن، فضلاً عن انعكاس اضطرابات الإمدادات على أسعار الأسمدة والمواد الأولية المستخدمة في الصناعات الغذائية والزراعية.

كما تواجه شركات الشحن احتمال تغيير مسارات سفنها أو تحمل أقساط تأمين أعلى، في ظل المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة.

وتتركز المخاوف الاقتصادية حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره، في الظروف الطبيعية، نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إلى جانب كميات مهمة من الغاز الطبيعي المسال.

وقد أدى تعطل الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجي إلى اضطراب تدفقات الطاقة من منطقة الخليج، وارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصادات المستوردة، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي.

ووفق تحليل نشره مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية في مايو/أيار، فإن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة في الشرق الأوسط قد يدفع معدل التضخم في الاتحاد الأوروبي إلى 3.5 في المائة خلال عام 2027، ضمن سيناريو يفترض استمرار القيود على حركة التجارة عبر المضيق حتى نهاية عام 2026.

وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب فصل الشتاء، حيث تواجه الحكومات الأوروبية تحدياً مزدوجاً يتمثل في احتواء ارتفاع تكاليف المعيشة وضمان توفير مخزونات كافية من الغاز لتأمين التدفئة وتوليد الكهرباء.

وحذرت المفوضية الأوروبية من أن استمرار الأزمة قد يفاقم الأعباء المالية على الأسر والقطاعات الصناعية، خصوصاً إذا تراجعت إمدادات الطاقة أو عادت الأسعار إلى الارتفاع خلال الأشهر المقبلة.

وفي المقابل، تتزامن هذه المخاوف مع تقارير إعلامية تحدثت عن تحذيرات أمريكية لحلفاء واشنطن في الخليج من احتمال استئناف الضربات العسكرية ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، وسط مخاوف من رد إيراني قد يستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية في المنطقة.

وبين التهديدات العسكرية الإيرانية والتحركات القطرية لإحياء المفاوضات، تبدو المنطقة أمام مسارين متوازيين: تصعيد قد يوسع دائرة المواجهة ويزيد كلفتها الاقتصادية والأمنية، أو تسوية دبلوماسية تضع حداً للحرب وتعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية. غير أن نجاح المسار الثاني يظل رهيناً بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة والانتقال من لغة التهديد إلى تفاهمات سياسية قابلة للتنفيذ.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment