الجديدة.. شباب بين الإحباط وانسداد الأفق: أين المبادرات التي تعيد الأمل إلى الجيل الصاعد؟

المحور الصحفي // كريم لعميم
بين محدودية الفضاءات الثقافية والرياضية، وصعوبة الاندماج الاقتصادي، وضعف قنوات التواصل مع الفاعلين المحليين، يبرز سؤال دور المؤسسات في الاستجابة لانتظارات شباب الجديدة وتطلعاتهم إلى مستقبل أفضل.
تختزن مدينة الجديدة مؤهلات طبيعية وتاريخية تجعلها من أبرز الحواضر الساحلية بالمغرب، غير أن جاذبيتها لا تحجب الأسئلة الاجتماعية التي يطرحها واقع الشباب، ولا سيما ما يتعلق بفرص الإدماج الاقتصادي، وإمكانيات المشاركة في الحياة العامة، وتوفر فضاءات قادرة على احتضان الطاقات والمواهب.
فخلف إيقاع الحياة اليومية، تتردد لدى فئات من الشباب تساؤلات حول المستقبل، وفرص الشغل، وإمكانية تحقيق الاستقلال المادي، ومدى قدرة المدينة على توفير بيئة تساعدهم على الإبداع والمبادرة. وهي تساؤلات لا ينبغي اختزالها في حالات فردية من الإحباط، بل تستحق أن تتحول إلى موضوع للنقاش العمومي والتقييم المؤسساتي.
لا يمكن بناء تنمية محلية مستدامة دون إشراك الشباب في تحديد الأولويات وصياغة الحلول. فحين لا يجد الشباب قنوات واضحة للتعبير عن انتظاراتهم، أو لا يلمسون تفاعلاً ملموساً مع مقترحاتهم، تتسع المسافة بينهم وبين المؤسسات والهيئات التي يفترض أن تمثل انشغالاتهم.
وفي الجديدة، تبرز الحاجة إلى فتح نقاش جاد حول طبيعة التواصل بين الفاعلين المحليين والشباب، ومدى انتظام اللقاءات التشاورية، وفاعلية المجالس والمنتديات التي يُفترض أن تتيح لهم المشاركة في تدبير الشأن المحلي.
ولا يتعلق الأمر بتنظيم لقاءات شكلية أو إطلاق وعود ظرفية، بل بإرساء آليات مستمرة للإنصات والتفاعل، تتيح للشباب عرض مشاكلهم ومقترحاتهم، مع توضيح ما يمكن تنفيذه، والآجال المتوقعة، والمسؤوليات المترتبة عن كل التزام.
فالثقة لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بقرارات قابلة للقياس، ونتائج ملموسة، واستعداد حقيقي للاستماع إلى أصوات الجيل الصاعد.
يحتاج الشباب إلى فضاءات تمنحهم فرصة لاكتشاف قدراتهم وصقل مواهبهم، بعيداً عن ضغوط الدراسة والبحث عن العمل والإكراهات اليومية. فالثقافة والرياضة والفنون ليست أنشطة ثانوية يمكن تأجيلها إلى حين توفر الإمكانيات، بل مكونات أساسية في بناء شخصية متوازنة وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تقييم العرض الثقافي والرياضي بمدينة الجديدة، ومدى قدرته على الاستجابة لحاجيات مختلف الأحياء والفئات العمرية، مع الاهتمام بالمناطق التي قد تفتقر إلى فضاءات القرب والتجهيزات الملائمة.
كما أن دعم الجمعيات الشبابية، وتسهيل استفادتها من الفضاءات العمومية، وإطلاق ورشات فنية ومبادرات رياضية وبرامج للتكوين، يمكن أن يفتح أمام الشباب مسارات جديدة للتعبير والإبداع والمشاركة المجتمعية.
إن المطلوب ليس مجرد ملء أوقات الفراغ، بل بناء بيئة تسمح للشباب بتحويل اهتماماتهم ومواهبهم إلى مشاريع وتجارب ذات قيمة، وتمنحهم شعوراً بأنهم جزء فاعل من حاضر المدينة ومستقبلها.
يبقى التشغيل أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب في مختلف المدن المغربية، والجديدة ليست بمنأى عن النقاش المرتبط بفرص العمل، وشروط الولوج إلى سوق الشغل، ومدى ملاءمة التكوينات المتاحة مع حاجيات الاقتصاد المحلي.
فالشاب الذي لا يجد فرصة مناسبة للعمل أو التكوين، ولا يمتلك الإمكانيات اللازمة لإطلاق مشروعه الخاص، قد يشعر مع مرور الوقت بأن خياراته تضيق، خصوصاً عندما تتراكم عليه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، تبرز ضرورة تعزيز المبادرات الرامية إلى دعم المقاولات الصغيرة، ومواكبة حاملي المشاريع، وتطوير التكوين المهني، وربط برامج التأهيل بحاجيات القطاعات الاقتصادية التي تتوفر عليها المدينة ومحيطها.
كما ينبغي أن تتجاوز المبادرات الموجهة للشباب منطق الإعلان عن البرامج إلى نشر معطيات واضحة حول المستفيدين، وفرص العمل التي أُحدثت، والمشاريع التي استمرت، والصعوبات التي حالت دون تحقيق النتائج المنتظرة.
فالتنمية لا تُقاس بعدد المبادرات المعلن عنها، وإنما بمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين وقدرتهم على بناء مستقبلهم.
إلى جانب التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تستحق الصحة النفسية للشباب اهتماماً أكبر، خاصة في ظل الضغوط المرتبطة بالبطالة، وصعوبات الدراسة، والعزلة، وعدم اليقين بشأن المستقبل.
ولا يمكن الجزم بارتفاع معدلات القلق أو الاكتئاب بين شباب الجديدة دون معطيات ميدانية موثوقة، غير أن الحاجة إلى خدمات القرب في مجال الاستماع والدعم النفسي تظل موضوعاً يستحق النقاش والتقييم.
ويقتضي التعامل المسؤول مع هذا الملف توفير فضاءات آمنة للاستماع والتوجيه، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات التعليمية والجمعيات والمصالح الصحية، مع ضمان السرية واحترام كرامة المستفيدين.
كما أن نشر الوعي بأهمية الصحة النفسية، ومحاربة الوصم المرتبط بطلب المساعدة، وتسهيل الوصول إلى المختصين، كلها خطوات من شأنها دعم الشباب ومساعدتهم على مواجهة الصعوبات دون الشعور بالعزلة أو الخجل.
إن التحدي المطروح أمام المدينة لا يتعلق فقط بتدبير المرافق أو تحسين البنيات التحتية، بل أيضاً بمدى القدرة على تحويل مؤهلاتها الاقتصادية والثقافية والسياحية إلى فرص حقيقية لفائدة أبنائها.
ويستدعي ذلك مقاربة متكاملة تقوم على فتح قنوات الحوار، وتوسيع العرض الثقافي والرياضي، ودعم التشغيل والمبادرات المقاولاتية، وتطوير خدمات الصحة النفسية، وإشراك الشباب في تقييم السياسات المحلية التي تستهدفهم.
كما أن من الضروري أن تتحول مطالب الشباب إلى موضوع نقاش مؤسساتي واضح، تشارك فيه الجماعة الترابية والقطاعات المعنية والهيئات المنتخبة والمجتمع المدني، وفق اختصاصات كل جهة وإمكاناتها.
فالجديدة ليست مجرد شوارع ومبانٍ وشاطئ وتاريخ عريق؛ إنها أيضاً طاقات بشرية تنتظر فرصاً عادلة للمشاركة والإبداع وتحقيق الذات.
إن الرهان الحقيقي هو أن يجد شباب الجديدة في مدينتهم فضاءً للمبادرة، وفرصة للعمل، ومجالاً للإبداع، ومؤسسات تنصت إليهم وتتفاعل مع انتظاراتهم. فحين يصبح الشباب جزءاً من صناعة الحلول، لا مجرد موضوع للخطابات، تتحول التنمية من شعار إلى مسار ملموس يشعر المواطن بأثره في حياته اليومية.
مقالات ذات صلة
التصوير بالنظارات الذكية في المغرب.. أين تنتهي حرية التوثيق وتبدأ المساءلة القانونية؟
الجديدة.. شباب بين الإحباط وانسداد الأفق: أين المبادرات التي تعيد الأمل إلى الجيل الصاعد؟
إعفاء ماديحة خيير.. المسؤولية السياسية تبدأ من الأحزاب، والمؤسسات الأمنية خارج دائرة المحاسبة السياسية
الْمَغْرِب، رَئِيسَة (الْمَرْأَة) الْحُكُومة وسُؤَال الْمُنَـــاصَفَة؟
المنصوري … للموظفين ايضا نصيب


Comments ( 0 )