حروب الظل: من أوكرانيا إلى الساحل الإفريقي وصولاً إلى أوروبا المتصدعة

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي

في عالم تحكمه الفوضى والأنانية، تتحول الأسلحة إلى أدوات دمار تتجاوز الحدود الجغرافية، تغذي حروبًا ليست على خرائطنا اليومية. من أوكرانيا إلى عمق إفريقيا، ومن روسيا إلى قلب أوروبا، تعبر الأسلحة وتترك بصماتها على وجوه الضحايا، تكتب فصولًا جديدة من الحروب الحديثة، حيث العدو غير مرئي والضحية بلا صوت.

في ظل الصراعات الدامية التي تدور رحاها في أوكرانيا، يشير مندوب مالي الدائم بالأمم المتحدة إلى أن الأسلحة الغربية التي تُرسل إلى كييف ليست سوى وقود جديد لنيران الإرهاب في الساحل الإفريقي. الأسلحة التي كان يُفترض بها أن تحمي حلفاء الغرب باتت تتسرب لتغذي الجماعات الإرهابية، مما يهدد استقرار الدول الهشة في المنطقة، ويزيد من احتمالات الفوضى العارمة التي تطال كل شيء من البشر إلى البنية التحتية.

وفي مداخلة على شاشة “القاهرة الإخبارية”، يؤكد فلاديمير شوماكوف، أستاذ العلوم السياسية، أن تهريب الأسلحة لا يقتصر على الأراضي الأوكرانية بل يشمل المواقع الروسية في منطقة الدونباس، حيث تتحول الحروب الباردة بين الغرب وروسيا إلى مسرح للتلاعب بأمن القارة الإفريقية. إلى جانب ذلك، تتورط شركات خاصة روسية، مثل “فاغنر”، في تسريب الأسلحة إلى مناطق النزاع الإفريقية، متجاوزة بذلك كل القوانين الدولية.

الأمر لا يتوقف عند حدود إفريقيا؛ الأسلحة التي تمر عبر الصحراء والشواطئ الإفريقية تجد طريقها إلى قلب أوروبا المتصدع. اليمين المتطرف داخل القارة العجوز بات يستخدم هذه الأسلحة في تنفيذ عمليات داخل العمق الأوروبي، مستغلاً الأزمات الأمنية التي تعاني منها دول القارة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والمجموعات المتطرفة الأخرى. وفي ألمانيا، شهدت البلاد محاولة انقلاب من قبل مجموعة تُعرف بـ”مواطني الرايخ”، في إشارة واضحة إلى تزايد تطرف الجماعات واستخدامها للأسلحة المهربة من مواقع الصراع.

بينما يستمر تدفق الأسلحة عبر القارات، يبقى الحل بعيد المنال. الصراعات التي تشتعل في مناطق النزاع تولد دائرة مفرغة من العنف لا يمكن السيطرة عليها بسهولة. الحرب في أوكرانيا ليست سوى بداية لقصة أكبر، حيث تستغل الجماعات المتطرفة من كافة الأيديولوجيات الفجوات الأمنية لتمرير أسلحتها وتحقيق أهدافها. وبينما تنهمك القوى الكبرى في لعبة الصراعات السياسية والعسكرية، يُترك المواطن العادي ليواجه الفوضى بمفرده.

المشهد الحالي أشبه بحرب خفية تُدار في الظلام، حيث يُسرب السلاح ويُباع وكأنه سلعة، دون أن يُدرك العالم حجم الكارثة التي تنتظره. من إفريقيا إلى أوروبا، تظل الأسلحة العابرة للقارات شبحًا يهدد استقرار المجتمعات وأمنها، بينما يتجاهل السياسيون حقيقة أن صراعاتهم ليست سوى وقود جديد لحروب لا نهاية لها.

في نهاية المطاف، القارة العجوز ليست في معزل عن هذه الحروب؛ فالأمن الأوروبي مرتبط بسلامة الحدود الإفريقية والشرق أوسطية، والأخطار العابرة لا تعرف جوازات السفر ولا الحواجز الجمركية. إنه عصر جديد من حروب الظل، حيث تختلط السياسة بالدم، وتظل الأسلحة تكتب نهايات مأساوية في كل زاوية من هذا العالم المعقد.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment