المغرب والبوليساريو: بين حكمة الصمود وأوهام الانفصال

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي
في قلب الصحراء المغربية، حيث تتردد أصداء المسيرة الخضراء، تأتي الأخبار التي تحمل نذير توتر وتجدد الصراع. مرة أخرى، تستهدف ميليشيات جبهة البوليساريو المناطق الخاضعة لسيطرة المملكة المغربية، مدفوعة بأحلام انفصالية يائسة لم تنجح إلا في اختبار صبر المغرب وحلمه الطويل.
في المحبس، وعلى مشارف السماء التي تحتضن أطياف الذكرى العزيزة، ذكرى استرجاع الأرض وكرامة الوطن، جاء الهجوم الأخير. هجومٌ لا يسعى فقط إلى زرع الفوضى، بل إلى تذكيرنا بتحد قديم وجديد في آن. فقد قُصفت هذه البقعة الآمنة، بالقرب من خيمة كانت تحتفي بالمسيرة الخضراء، تلك اللحظة التي وحدت فيها الإرادة الشعبية الصفوف تحت راية واحدة، فاستعادت الحق وكتبت فصلا خالدا في التاريخ المغربي.
لكن المغرب، بتجربته وبصيرته، لم يزل ينتهج طريق الحذر والسياسة الحكيمة. ردّت القوات المسلحة الملكية بقوة، مُستعينة بتكنولوجيا الطائرات بدون طيار لاستهداف المليشيات المعادية دون الاندفاع إلى ما وراء الحدود، في رسالة واضحة بأن المغرب قادر على حماية نفسه دون أن يُجر إلى دوامة الصراع العبثي. إن المملكة تختار دائما درب ضبط النفس، إيمانا منها بأن الصبر هو السلاح الأنجع في وجه من لا يحسن إلا لغة العنف.
ورغم الضغوط الداخلية والخارجية، فإن المملكة المغربية كانت وما زالت تدرك حساسية التوازن الإقليمي. منذ عقود، اختار الملك الراحل الحسن الثاني وضع خط دفاعي حكيم، ليجنب جيشه عبور الحدود وتجنب احتكاكات مباشرة قد تفضي إلى نزاع مع الجزائر، التي تحتضن قيادة البوليساريو. وها هو الملك محمد السادس يسير على النهج ذاته، حاملا شعلة السلم ويد الحوار، متعاليا عن الاستفزازات، وعارضا مرارا وتكرارا يد الجوار الطيب للجزائر.
في الوقت ذاته، تعيش المنطقة سباق تسلح محموم بين المغرب والجزائر. إلا أن الفرق شاسع في الرؤية والمقصد: المغرب يطمح لتعزيز مكانته كقوة إقليمية فاعلة في إفريقيا وشمالها، بينما تنشغل الجزائر في تثبيت قوتها في البحر الأبيض المتوسط، ساعية لتكون جسرا يربط بين أوروبا وإفريقيا. ومع ذلك، فإن التحالفات الدولية التي ينسجها كلا البلدين تقلل من احتمالات نشوب حرب شاملة؛ فالولايات المتحدة والغرب يدعمان المغرب، بينما تظل الجزائر على صلة وثيقة بروسيا.
إن جبهة البوليساريو تحاول، من خلال هذه الهجمات، إثبات وجودها أمام المجتمع الدولي، ساعية لجعل نفسها صوتا وحيدا للقضية الصحراوية، محاولة استفزاز المغرب ودفعه إلى تبني مواقف تصعيدية. ومع ذلك، يظل المغرب واثق الخطى، مُتجنبا أن ينساق خلف هذه الحيل.
في هذا المشهد، نجد المغرب، بقيادته وشعبه، ثابتا على درب الحق، متمسكا بقيم السلم والمساواة، مؤكدا على دوره التاريخي في نشر الاستقرار. لا يزال باب الحوار مفتوحا، ولا يزال المغرب مُتشبثا بأحلام الوحدة والتعايش، في مواجهة التحديات برؤية متبصرة وإيمان عميق بعدالة قضيته.
مقالات ذات صلة
ضرورة تجديد مناهج وبرامج الثانوي في ظل الحكومة الجديدة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات


Comments ( 0 )