ليس فقط كهرباء… المغرب يصدر النور في مواجهة التطرف

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي

لم يكن العطب الذي شل شبكة الكهرباء في إسبانيا إلا ومضة تذكير، بأن العتمة لا تُغلب بالخطابات ولا تُصدّ بالأسلاك وحدها. وكما أرسل المغرب طاقته نحو الشمال لإنقاذ الجار من ظلمة غير متوقعة، يمكنه أن يرسل كذلك تجربته في إنارة العقول التي استبد بها الظلام داخل الزنازين.

السجون الأوروبية، التي كانت تُقدَّم منذ عقود كنموذج للصرامة والانضباط، تحولت اليوم إلى حاضنات للتطرف، وفضاءات يعيد فيها العنف ترتيب صفوفه. في فرنسا، يتحدث الخبراء عن أكثر من 500 نزيل متورط في قضايا إرهاب، ويقترفون الهواجس ذاتها التي تعصف بإسبانيا وبلجيكا وألمانيا. عدد ممن ارتكبوا هجمات دموية في العقد الأخير مروا عبر الزنازين. لم يكونوا طلقاء حين تطرفوا، بل أسرى. ومع ذلك، لم تمنعهم الأسوار ولا الحراسة من استكمال الرحلة نحو القناعة بالدم. بل على العكس، ساهم السجن في تثبيت الاختيار وتصفية الشك.

 

من سجن في إسبانيا، برزت مؤخرا قضية “عملية ديهان”، التي كشفت عن سجين لم يكن متطرفا عند دخوله، لكنه خرج من الزنزانة متشبّعا بأيديولوجية داعش، راسما علم التنظيم في أماكن عامة داخل السجن، ومهدّدا الحراس بالذبح، لا مجازا بل نصا حرفيا.

 

من سجن “بوكا” في العراق خرج البغدادي ورفاقه، لا سجناء، بل “خريجي دفعة” متكاملة لجهاز التطرف العالمي. في صيدنايا السوري، وفي رومية اللبناني، وفي مؤسسات كثيرة غير معلنة، تكرر السيناريو ذاته: السجن لا يطفئ الجمر، بل ينفخ عليه حين يُدار بعقيدة العقاب بدل مشروع المصالحة. ورغم الاعتراف الأوروبي المتزايد بفشل مقاربات العزل والإقصاء، لا تزال البوصلة الأمنية وحدها تدير الملف، بلا شريك ديني ولا مرشد اجتماعي، ولا حكمة إصلاحية تحقن الغضب بما يخفف التطرف.

هنا تبرز المقاربة المغربية، لا بصفتها درسا يُملى، بل تجربة حية أنقذت ما كان يعتقد أنه لا ينقذ. منذ 2017، فعلت المملكة المغربية برنامج “مصالحة” لفائدة السجناء المدانين في قضايا الإرهاب، استنادا إلى ثلاثة مرتكزات: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النص الديني الصحيح، والمصالحة مع المجتمع. البرنامج لم يكن شكليا ولا انتقاميا، بل تم بتأطير العلماء والمرشدين وبمصاحبة نفسية دقيقة، واحترام للكرامة. النتيجة؟ عشرات المعتقلين أعلنوا تخليهم عن الفكر المتطرف، وبعضهم أصبحوا دعاة وسط السجناء لتقويم المفاهيم، وآخرون غادروا السجون بعفو ملكي خاص بعدما بينوا ندما وفهما وانخراطا حقيقيا في طريق التوبة.

ليس صدفة أن هذه التجربة حظيت باهتمام دولي، ولا أن خبراء أوروبيين طالبوا بالاطلاع عليها عن كثب. المغرب، الذي لم يحتكر يوما وصفة النجاح، فتح يده حين احتاج الجار، وساهم في تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية في أوروبا بمعلومة استخباراتية دقيقة أو رصد سري متقدم. وكما أنقذ محطة كهربائية من انقطاع شامل، أنقذ أيضا شوارع باريس ومدريد وبروكسيل من حمامات دم كانت على وشك الوقوع.

لكن القيمة لا تكمن فقط في ما يقدمه، بل في ما يمكن أن يعطيه لو فسح له أن يُسمع. المغرب فتح منفذه الأطلسي لإفريقيا، حين ضُيّقت على القارة نوافذ الولوج للأسواق. وها هو اليوم يمكن أن يفتح منفذا من نوع آخر: نحو رؤية مختلفة لإدارة العنف قبل أن يستفحل. لم يقدّم خطابا دينيا بديلا فحسب، بل أنشأ مؤسسات لذلك، وأعاد تأهيل المئات، وراكم من الخبرة ما يتيح له أن يكون شريكا فاعلا لا تابعا.

العتمة ليست قدرا، والظواهر التي تستفحل في صمت لن تُحل بالمراقبة الأمنية وحدها. في زمن التقاطب والتوجس، يحتاج العالم إلى من يصنع الأمل بأدوات واقعية. والمغرب، بقدر ما يرسل الكهرباء لمن انطفأ نوره، يمكنه أن يرسل أيضا هذه الشعلة، التي ما إن وضعت في يد من يحترق بالغلو، حتى وجد فيها ضوء الرجوع إلى ذاته.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment