الشباب في الجديدة والأحزاب السياسية.. من يستغل الآخر؟

المحور الصحفي // كريم لعميم

في مدينة الجديدة، يتكرر مشهد سياسي مألوف كلما اقترب موعد الانتخابات: الأحزاب تخرج من سباتها الموسمي، وتبدأ في استدعاء الشباب للمشاركة السياسية، تتحدث إليهم بلغة الوعود والأحلام، وتطلب منهم التصويت والمساندة وكأنهم هم المفتاح الوحيد للفوز. لكن، ما إن تُغلق صناديق الاقتراع، حتى يُترك هؤلاء الشباب على الهامش، وكأنهم كانوا مجرد أدوات ظرفية لبلوغ الكراسي.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل الشباب في الجديدة يشاركون فعلاً في الحياة السياسية؟ أم أنهم مجرد صورة تُقدَّم أمام الكاميرات لإضفاء طابع شبابي على مشهد سياسي هرِم؟ الواقع يُظهر أن العلاقة بين الشباب والأحزاب في المدينة تعاني من أزمة ثقة حقيقية، تعود أسبابها إلى جملة من العوامل المتراكمة.

أولاً، الإخلاف المتكرر للوعود الانتخابية ساهم في خلق فجوة عميقة بين الشباب والسياسيين. فمعظم الشباب يرون أن نفس الوجوه السياسية تتكرر، دون تجديد في الخطاب أو تغيير في الأداء، وأن تلك الوجوه لم تلتزم في أي مرحلة بما وعدت به. أصبح السياسي بالنسبة لكثير من الشباب مجرد شخص يبيع الكلام، دون أن يقدم حلولاً ملموسة أو يبدي اهتماماً فعلياً بمشاكلهم.

ثانيًا، يعيش شباب المدينة تحت وطأة واقع اقتصادي صعب، ففرص الشغل محدودة، رغم أن الجديدة تحتضن أحد أكبر المجمعات الصناعية في إفريقيا. هذا التناقض بين الإمكانيات المتوفرة والبطالة المرتفعة يزيد من شعورهم بالتهميش ويكرس فقدان الأمل في قدرة الفاعلين السياسيين على التغيير.

ثالثًا، لا يجد الشباب أنفسهم ممثلين داخل الأحزاب، إذ أن حضورهم لا يتجاوز غالبًا الجانب الشكلي أو اللوجيستي. الأحزاب السياسية المحلية تفتقر إلى برامج مخصصة للشباب، ولا توفر لهم فضاءات حقيقية للتعبير أو المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار. عوض أن تكون الأحزاب فضاء لتأطير الشباب وتمكينهم، تحولت في نظرهم إلى فضاء مغلق تُديره نخب همّها الأول هو الحفاظ على مواقعها.

كما أن خطاب بعض السياسيين ما يزال يعتمد على لغة الخوف أو الاستمالة الظرفية، دون مخاطبة عقل الشباب أو طموحاته، ما يجعل العلاقة غير متكافئة، ويفقد العمل السياسي جاذبيته لديهم.

إن استمرار هذا الوضع يعمق عزوف الشباب عن السياسة ويجعلهم يتعاملون معها كحقل لا يعنيهم. وهو ما يُفقد الحياة السياسية الكثير من حيويتها وطاقتها المتجددة. ولا يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة إلا من خلال تغييرات جذرية في طريقة اشتغال الأحزاب، تبدأ من الاعتراف بوجود أزمة ثقة، وتنتقل إلى فتح المجال الحقيقي أمام الشباب، ليس فقط كناخبين، بل كفاعلين وشركاء في صياغة القرار وصناعة التغيير.

الرهان اليوم ليس على إقناع الشباب بالتصويت فقط، بل بإقناعهم أن السياسة ما زالت قادرة على إحداث الفارق، وأنها ليست حكرًا على فئة معينة. الشباب في الجديدة لا يطلبون المستحيل، بل فقط الاعتراف بوجودهم، والإنصات لهم، والعمل معهم، لا من أجلهم فقط.

حينها فقط، يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية بين الشباب والسياسة، مصالحة تقوم على الشفافية، والمسؤولية، والنية الصادقة في البناء المشترك.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment