الجديدة.. حين تُشيَّع الضمائر الإعلامية إلى مثواها الأخير

المحور الصحفي // كريم لعميم

في مدينة الجديدة، لم يعد الحديث عن الفساد حكرًا على الإدارات أو المنتخبين أو بعض لوبيات المال، بل امتد إلى من يفترض أن يكونوا حماة الحقيقة وحراس الضمير المهني: الإعلاميون. نعم، إنه فساد من نوع آخر، أكثر خفاءً وأشد خطورة، لأنه يلبس عباءة الكلمة ويمسك بميكروفون التأثير.

في السنوات الأخيرة، بدأت تتساقط الأقنعة عن بعض الوجوه الإعلامية التي انخرطت بشكل سافر في خندق المصلحة الخاصة، مفضلة خدمة أجندات سياسية واقتصادية مقابل امتيازات ودعم مالي، على حساب الحياد والمهنية. لم يعد بعض الإعلام يكتفي بنقل الخبر أو تحليل الوقائع، بل صار يصنع الوقائع نفسها، ويعيد تشكيل الحقيقة وفق ما يخدم مموليه، ضاربًا عرض الحائط بأخلاقيات المهنة.

أصبحنا نشهد إعلامًا يضلل ويحرّض ويشهّر، إعلامًا يسوّق الوهم، ويبرر التجاوزات، وينشغل بقضايا ثانوية لصرف الانتباه عن الأهم. إعلام يُجمّل صورة الفاسدين، ويهاجم من يفضحهم، بل ويُستخدم كأداة لإعادة تبييض الوجوه المستهلكة سياسيًا.

إن اللغة الإعلامية لم تسلم هي الأخرى من هذا التدهور، إذ غُيّبت المصطلحات الصريحة لصالح تعابير “ناعمة”، توحي بالاحتراف بينما تخفي نوايا التضليل، في مشهد يُحوّل الصحافة من سلطة رابعة إلى خادمة لدى السلطة والمال.

وفي ظل هذا الواقع، يُصبح الإعلام شريكًا في إنتاج الفقر، والبطالة، والدعارة، عندما يصمت عن المسؤولين الحقيقيين أو يُغني في جوقة تبرير فشلهم. الإعلام الفاسد لا يُراقب السلطة، بل يُجمّل وجهها، ولا يُنبه للرأي العام، بل يُخدّره.

اليوم، نحن في حاجة ماسة إلى إعلام مهني حر، لا يُمسّس، ولا يُبتز، ولا يخضع لإملاءات السياسي أو رجل الأعمال. إعلام قادر على قول “لا” عندما يختلط المال بالقرار، وعلى كشف الحقيقة مهما كانت مرّة.

إن معركة إعادة الاعتبار للإعلام في الجديدة ليست فقط معركة صحافيين، بل معركة مجتمع يريد أن يعرف الحقيقة ويحاسب المسؤولين ويصنع مستقبلًا أكثر نزاهة وعدلًا. فالإعلام الحر لا يُشيّع ضميره، بل يُوقظ ضمائر الآخرين.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment