البنيات التحتية للتشكيلة الاجتماعية بالمغرب: حينما تصطدم السياسات بالواقع

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

في المغرب، حين نتحدث عن البنيات التحتية، يتبادر إلى الذهن الطرق والقناطر والموانئ والمطارات. لكن ما يُغفل في هذا التصور السائد هو أن البنيات التحتية ليست فقط إسمنتًا وحديدًا، بل هي أيضًا نسيج اجتماعي متماسك، مؤسسات تربوية قوية، منظومات صحية عادلة، وعدالة اجتماعية قادرة على التخفيف من التفاوتات الطبقية والمجالية.

التشكيلة الاجتماعية في المغرب ليست معطى ثابتًا، بل هي نتاج تاريخ طويل من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تَشكلت طبقات وفئات بفوارق صارخة، تُعمّقها الهشاشة في التعليم، وضعف الرعاية الصحية، وقصور العدالة التوزيعية. فبين قلة تمتلك أغلب الثروة، وكثرة تكافح من أجل لقمة العيش، تتجلى هشاشة البنية الاجتماعية وتفكك الروابط التي يُفترض أن تبني الثقة بين المواطن والدولة.

الإشكال لا يكمن فقط في ضعف البنية، بل في غياب رؤية استراتيجية تُعيد الاعتبار للفئات المهمشة، وتُصحح التوازن بين العالمين القروي والحضري، وبين المركز والهامش. فحين تُهمل القرى والجبال في الاستثمارات الحيوية، وتُغلق المدارس لغياب المعلمين، وتغيب المراكز الصحية لأسباب لوجستية، فإننا أمام اختلال عميق لا يمكن ترميمه بمهرجانات أو شعارات موسمية.

البنية التحتية الاجتماعية تتطلب أيضًا إرادة سياسية صادقة، تقطع مع الريع وتُعيد الاعتبار للكفاءة، وتضع الإنسان في صلب النموذج التنموي الجديد. فلا تنمية بدون تعليم جيد، ولا استقرار بدون عدالة اجتماعية، ولا وطن متماسك بدون رأسمال بشري يشعر بالانتماء والأمل.

لكن، وبالرغم من كل هذا، لا يمكن إنكار وجود بعض المبادرات الإصلاحية التي أطلقتها الدولة في السنوات الأخيرة، من أبرزها مشروع الحماية الاجتماعية الذي يسعى إلى تعميم التغطية الصحية والتقاعد والدعم الاجتماعي، وهو مشروع طموح إذا ما تم تنزيله بفعالية وشفافية قد يشكل تحولًا نوعيًا في بنية التشكيلة الاجتماعية. إلا أن هذا المشروع لا يمكن أن يُثمر في بيئة تعاني من الفساد الإداري، والبيروقراطية، وغياب التخطيط المجالي المتوازن.

إن التمايزات المجالية التي يعرفها المغرب – بين مدن كبرى تستفيد من مشاريع كبرى وقُرى هامشية تعاني من العزلة – تُعيد إنتاج نفس الأوضاع التي تسهم في تفاقم الفقر، والهجرة الداخلية، والانفجار الاجتماعي الصامت. فالاستثمار في البنيات التحتية الاجتماعية يجب أن يبدأ من القاعدة، من المدرسة العمومية، من المستشفى المحلي، من فرص التشغيل الكريمة، ومن إعادة الاعتبار للكرامة كمبدأ قبل أن تكون شعارًا.

المجتمع المغربي ليس بحاجة فقط إلى جسور مادية، بل إلى جسور اجتماعية: إعادة الثقة بين الأجيال، تعزيز قيم التضامن، ومواجهة تنامي الفردانية واللامبالاة. فحين يشعر الشاب المغربي أن مستقبله مرهون بالزبونية، والمرأة القروية أن ولادتها قد تكون خطرًا لغياب طبيبة، والعامل أن كرامته تنتهك أمام مؤسسات التشغيل، فإن البنية الاجتماعية تصبح عبئًا بدل أن تكون رافعة.

وفي خضم الحديث عن النموذج التنموي الجديد، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل نحن فعلاً بصدد بناء مغرب يتسع للجميع، أم أننا نعيد إنتاج نفس النموذج القديم بواجهة جديدة؟

الجواب لن يأتي من المكاتب المكيفة أو التقارير المُنمقة، بل من أصوات الناس في الأسواق، من صبر الأمهات في القرى، من احتجاجات المهمشين، ومن قصص شباب فقدوا الأمل، فهاجروا أو انعزلوا أو اختاروا المواجهة.

إن بناء بنية تحتية اجتماعية قوية، عادلة، ومستدامة، لا يتطلب فقط ميزانيات ضخمة، بل إرادة حقيقية تؤمن أن قوة الأوطان لا تقاس بعدد ناطحات السحاب، بل بمدى قدرة الدولة على صيانة كرامة مواطنيها في أبسط تفاصيل حياتهم.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment