حين يُغتصب الطفل وتُغتصب معه الحقيقة والضحية ذكر؟ إذًا لا أحد يُصدق

المحور الصحفي // ايمان لعقاق
ألام لا تشفى من واقعٍ يُحاول أن يبدو طبيعيًا، تنمو جراحٌ لا تُرى، وصرخاتٌ تُكتم خلف جدران الخوف والخجل… إنها جريمة اغتصاب الأطفال، وتحديدًا الذكور، الجرح المسكوت عنه في مجتمعات ترى في الذكر ضحية غير محتملة، وخطيئة لا يُعترف بها.
حكايات متكررة لطفولة تُنتهك، داخل البيوت أحيانًا، أو في الأزقة، أو في المدارس… وغالبًا، يكون الجاني شخصًا “من داخل الدائرة”، مألوفًا، معروفًا، وقد يبدو سويًّا في الظاهر، لكنه يحمل اختلالًا نفسيًا أو ساديًا أو اضطرابًا جنسيًا يُخفيه خلف أقنعة المجتمع.
في بلدٍ كالمغرب، ورغم التقدّم التشريعي النسبي في حماية الطفولة، لا تزال قضايا اغتصاب الأطفال الذكور ملفًا ثقيلًا تُهيمن عليه ثقافة العيب، والإنكار، وتواطؤ الصمت. فكم من طفلٍ أُجبر على دفن ألمه لأن والده اعتبر الاعتراف بالواقعة “نقصًا في الرجولة”، أو لأن العائلة خشيت من “الفضيحة” أكثر من خوفها على سلامة ابنها.
الخطير في الأمر، أن المُعتدي لا يكون دائمًا غريبًا، بل كثيرًا ما يكون أحد أفراد العائلة، أو الجار، أو المدرس، أو إمام المسجد، ما يُحول الطفل إلى رهينة صراع داخلي بين الرغبة في النجاة، والخوف من كسر الثقة أو فقدان الحب أو التعرض للتكذيب.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال الذكور تُمثل نسبة لا يُستهان بها من حالات الاغتصاب، لكنّها نادرًا ما تصل إلى المحاكم. وغالبًا، حين يُبلَّغ عنها، تكون قد تأخرت سنوات، بعد أن ينهار الطفل نفسيًا أو يُصاب باضطرابات سلوكية خطيرة.
لماذا نعيش مع مختلين؟ السؤال الصادم، لكن المشروع، هو: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ كيف أصبح بيننا مختلّون يتجولون بحرية، يمارسون أدوارًا اجتماعية محترمة، ويعتدون على الأطفال دون رادع؟
الجواب معقّد، لكن أحد مفاتيحه هو غياب الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية، وإفلات المرضى النفسيين والمتحرشين من المراقبة والعلاج. كما أن ثقافة “التستر” على الجرائم الجنسية، خاصة ضد الذكور، تسمح بتكرار المأساة، بل وتُشجعها ضمنيًا.
الأطفال ليسوا بخير… نحتاج إلى نظام وقائي شامل، يبدأ من التربية الجنسية الوقائية في المدارس، مرورًا بفتح قنوات آمنة للتبليغ عن التحرش أو الاعتداء، وصولًا إلى تشديد العقوبات وتفعيل آليات التشخيص النفسي المبكر لمن يظهرون ميولات خطيرة.
وقبل كل شيء، نحتاج إلى تحطيم جدار الصمت. لأن اغتصاب الطفل، أي طفل، هو اغتصاب لمستقبل المجتمع برمّته.
مقالات ذات صلة
ضرورة تجديد مناهج وبرامج الثانوي في ظل الحكومة الجديدة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات


Comments ( 0 )