المغرب على مفترق طرق… إما الإصلاح الحقيقي أو الانفجار الصامت

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

ما يحدث في المغرب اليوم ليس مجرد احتجاجات عابرة أو موجات غضب شبابية يمكن احتواؤها ببضع خطابات رسمية أو قرارات فوقية. نحن أمام لحظة فارقة، أشبه بجرس إنذار مدوٍّ، يعلو فوق ضجيج التبريرات والبلاغات المطمئنة. هذه ليست أزمة ظرفية، بل نتيجة تراكم سنوات من الاختناق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، التي جعلت شرائح واسعة من المواطنين تشعر بأنها تُدفع نحو الهامش.

في شوارع مدن عدة، خرج الشباب ليقولوا بصوت مرتفع ما ظلّ يقال همسًا لسنوات: لا ثقة في السياسات القديمة، ولا صبر على “الإصلاحات الشكلية”. إنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد حالة احتقان، بل لحظة وعي جماعي تضع الجميع أمام الحقيقة: لا تنمية بلا عدالة، ولا استقرار بلا كرامة، ولا دولة قوية بلا ثقة شعبها.

لقد ارتفعت كلفة الحياة إلى حدود غير مسبوقة، بينما تتسع الهوة بين فئة محظوظة تستفيد من الامتيازات، وأغلبية تُصارع من أجل البقاء. المؤسسات فقدت الكثير من مصداقيتها بسبب الخطاب المتناقض والوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، في وقت تتضخم فيه الأزمات: بطالة خانقة، تعليم متعثر، صحة منهكة، واحتكار يلتهم السوق.

السلطة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاعتراف بالواقع وفتح الباب أمام إصلاحات عميقة وجذرية تُعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة، أو الاستمرار في سياسة التجاهل والترقيع التي لم تعد تنطلي على أحد. فالمغاربة لم يعودوا كما كانوا: إنهم أكثر وعيًا، أكثر اتصالًا، وأكثر قدرة على التنظيم والضغط.

الخطر الحقيقي لا يكمن في الشارع، بل في العمى السياسي الذي يرفض رؤية ما يحدث. فكل تأجيل للإصلاح الجدي ليس سوى تسريع لانفجار أكبر… انفجار قد لا يكون مدويًا، لكنه سيكون صامتًا ومدمرًا، ينهك الثقة ويقضم شرعية المؤسسات من الداخل.

لكن ما يزيد من خطورة الوضع، هو أن الدولة ما زالت تتعامل مع هذه التحولات بعقلية تقليدية، وكأن الزمن لم يتغير. نفس الخطاب، نفس ردود الفعل، نفس الوجوه التي فقدت مصداقيتها أمام الرأي العام. وكأن من يحكم لا يسمع صرخات الشارع ولا يقرأ غضب الناس المتراكم.

الشباب المغربي اليوم لا يطالب بالمستحيل، بل يطالب بالحد الأدنى من الكرامة والعدالة: وظيفة تحفظ له مكانته، تعليم يحترم ذكاءه، منظومة صحية تعالج الإنسان لا تُهينه، مؤسسات تستمع إليه بدل أن تتجاهله. هذه المطالب ليست ترفًا، بل شروط أساسية لأي استقرار حقيقي.

ورغم وضوح المؤشرات، لا يزال من يملك القرار يراهن على عامل الزمن… يراهن على أن الغضب سينطفئ كما اشتعل. لكنهم يتناسون أن هذا الجيل مختلف. إنه جيل لا يخاف، لا يرضى بالفتات، ولا يثق في لغة التهدئة دون أفعال ملموسة. إنه جيل الشبكات المفتوحة، لا تهمه المنابر الرسمية بقدر ما يصنع خطابه بنفسه.

إذا استمرت الدولة في الإنصات لنفسها فقط، فإنها تخاطر بقطع ما تبقى من جسور الثقة مع المجتمع. الإصلاح اليوم لم يعد خيارًا تجميليًا أو ورقة انتخابية، بل ضرورة وجودية تضمن بقاء اللحمة الوطنية. والرهان على الصمت الشعبي أو استنزاف الوقت قد يكون أكبر خطأ سياسي في هذه المرحلة.

المطلوب ليس شعارات جديدة ولا حملات تواصلية براقة، بل إجراءات واضحة، جريئة، ملموسة: محاسبة فعلية للمفسدين، توزيع عادل للثروة، إصلاح حقيقي للتعليم والصحة، فتح المجال أمام الشباب للمشاركة في القرار بدل تهميشهم.

المغرب اليوم أمام لحظة تاريخية. إما أن يصالح نفسه مع شعبه، أو أن يدفع ثمن سنوات من التجاهل والتأجيل. فالتاريخ لا يرحم المترددين.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment