السودان على حافة الانهيار: دعم السريع والمجتمع الدولي بين الإهمال والتحرك المتأخر

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

تأتي تصريحات وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم لتلقي الضوء على أزمة تتجاوز الحرب بين أطراف محلية، لتصل إلى أبعاد دبلوماسية وسياسية معقدة. ففي وقت يوافق فيه العالم على تشكيل مجموعات وساطة غير رسمية، يرفض السودان الاعتراف بما يسمى “الرباعية”، مؤكدًا على أن أي تدخل أو وساطة ينبغي أن يكون ضمن إطار قانوني رسمي صادر عن الأمم المتحدة. هذا الموقف يعكس رغبة الخرطوم في التعامل المباشر مع الدول الفاعلة، دون وسيط غير معترف به، لكنه يكشف أيضًا عن توتر واضح بين حاجة السودان للمساعدة الدولية وإصراره على الحفاظ على سيادته الرمزية.

وفي خضم هذا التوتر، يعكس اجتماع بورتسودان الثلاثي مع مصر والأمم المتحدة حجم التحدي على الأرض. فقد تركزت المباحثات على الوضع الإنساني الكارثي في مناطق الفاشر والدبة وطويلة وبابنوسة وكادوقلي والدلنج، حيث ترتكب قوات الدعم السريع انتهاكات جسيمة تشمل القتل والاغتصاب والنهب، ما أدى إلى موجات نزوح هائلة تجاوزت 36 ألف مدني خلال أيام قليلة فقط. ووفق تقارير أممية وصور بالأقمار الصناعية، ثمة مؤشرات على مقابر جماعية وأنشطة “التخلص من الجثث”، ما يرفع احتمالية تصنيف هذه الأعمال كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

تصريحات الوزير سالم تضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي. فقد وصف الوضع في بلاده بـ”الغزو المباشر”، داعيًا إلى أن يسمي العالم الأمور بأوصافها الحقيقية، ويضغط على المليشيات والمرتزقة الأجانب الذين تسعى قوات الدعم السريع إلى استقدامهم من كولومبيا وغرب إفريقيا ودول الجوار. وفي الوقت ذاته، تؤكد الزيارات الأممية وبيانات مساعد الأمين العام توم فليتشر على ضرورة ضمان عمل محايد ومستقل للمنظمات الإنسانية، وهو شرط لا يزال يواجه عراقيل على الأرض بفعل العمليات العسكرية والسيطرة المحلية للمليشيات.

لكن خلف هذه التحركات، ثمة مشهد سياسي أوسع: الخرطوم تسعى إلى الحفاظ على توازنها بين القبول بالمساعدات الدولية وحماية سيادة الدولة، بينما تظل قوات الدعم السريع لاعبًا محوريًا على الأرض، قادرة على قلب أي جهود دبلوماسية أو إنسانية. هذا الوضع يجعل أي مبادرة خارج الإطار القانوني الرسمي عرضة للفشل، مهما كانت نوايا الوسطاء، ويعكس هشاشة الدولة أمام تحالفات الميليشيات والإغراءات الاقتصادية والدعم الخارجي للمرتزقة.

إن الأزمة الإنسانية المتفاقمة في السودان ليست مجرد ملف سياسي، بل امتحان صارخ لقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وفرض القانون الدولي في مواجهة تحالفات مسلحة غير حكومية. وبين النزوح الجماعي والمجازر المحتملة، يبرز السؤال الأخلاقي والعملي: هل سيواصل العالم الاكتفاء بالبيانات والإعلانات الرسمية، أم سيترجم هذا الغضب الدولي إلى ضغط فعلي على الأرض لإيقاف الفظائع وإنقاذ المدنيين؟

يبقى التحدي الأكبر أن أي تحرك دولي يجب أن يكون متزامنًا مع ضغط سياسي واقتصادي ملموس على الأطراف المسلحة، وليس مجرد بيانات إعلامية. فاستمرار الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع من خلال تسهيلات لوجستية أو مرتزقة أجانب يعكس ثغرة استراتيجية كبيرة، قد تجعل أي هدنة إنسانية قصيرة الأجل بلا أثر، إذا لم تُرافق بإجراءات صارمة لمراقبة الالتزام على الأرض.

كما أن قدرة الحكومة السودانية على استعادة السيطرة على الأراضي المتضررة تتطلب تنسيقًا فعليًا مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجيران السودان، لضمان خروج المرتزقة والمليشيات من مناطق النزاع. فالعمل الأحادي، مهما كان مدعومًا بالتصريحات الرسمية، لن يكون كافيًا لمواجهة واقع القوة العسكرية على الأرض.

في السياق نفسه، لا يمكن تجاهل أن الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان قد تتحول إلى أزمة إقليمية، مع موجات نزوح هائلة تضغط على دول الجوار وتزيد من تعقيد ملف اللاجئين والمساعدات. وهذا يجعل من الضروري أن تشمل أي خطة تحرك دولي شمولية استباقية تتضمن حماية المدنيين، توفير الغذاء والدواء، وإعادة بناء البنية الأساسية للمناطق المتضررة.

أمام هذه المعطيات، يبدو أن السودان على مفترق طرق: إما أن يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد وفاعل لوضع حد للانتهاكات وحماية المدنيين، أو أن يظل المدنيون ضحايا للسياسات العابرة للحدود والمصالح العابرة للإنسانية، حيث تتحول الحروب المحلية إلى ساحة للصراعات الدولية والمكاسب السياسية المؤقتة. وكل يوم تأخير يعني مزيدًا من الدماء والدمار، ومزيدًا من التحديات التي ستثقل كاهل الجهود المستقبلية لإعادة السودان إلى مسار الاستقرار والازدهار.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment