الحكم الذاتي ودولة الجهات: فرصة تاريخية لإحياء الديمقراطية وإعادة صياغة المشهد الحزبي

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
يمثل ورش الحكم الذاتي، كما تتصوره المملكة في سياق استكمال بناء دولة الجهات، لحظة سياسية فارقة لا تقل أهمية عن محطات التحول الكبرى التي عرفتها البلاد. فهو ليس مجرد مقترح لحل نزاع إقليمي، بل هو تصور عميق لإعادة هندسة الدولة من الداخل، وتوزيع جديد للسلطة والموارد، وفتح باب مراجعة شاملة لوظيفة الأحزاب ودورها الحقيقي في تمثيل المواطنين.
لقد ظل المشهد الحزبي المغربي، خلال العقود الأخيرة، رهيناً لثلاثية قاتلة: الترهل التنظيمي، ضبابية المشروع السياسي، وانفصال النخب الحزبية عن القواعد الاجتماعية. ومع كل محطة انتخابية، يتضح أكثر أن الأحزاب فقدت القدرة على التأطير والتجديد، وأن الأزمة لم تعد ظرفية بل بنيوية، مرتبطة بتراجع الثقة وغياب المبادرة واحتكار الكراسي بدل احتضان الأفكار.
هنا بالضبط يبرز دور الحكم الذاتي ودولة الجهات كفرصة تاريخية لإعادة بناء السياسة على أساس جديد. فحين تُمنح الجهات سلطات واسعة، وتصبح التنمية مسؤولية محلية فعلية، يصبح وجود أحزاب قوية، ذات رؤية واقعية وبرامج قابلة للتنفيذ، ضرورة وليست ترفاً. وستجد الأحزاب نفسها لأول مرة أمام محك حقيقي: إما أن تتحول إلى مؤسسات منتجة للقيادات والبدائل، أو أن تتلاشى أمام صعود فاعلين جدد قادرين على تقديم حلول ملموسة.
إن تمرين الحكم الذاتي ليس فقط اختباراً للجهة التي سينفذ فيها، بل هو أيضاً تمرين لباقي الجهات في تدبير الشأن العام بتعاقد جديد بين الدولة والمجتمع. وفي ظل هذا التحول، يصبح مطلب الديمقراطية أكثر إلحاحاً، ليس كشعار يُرفع في الخطب، بل كشرط أساسي لنجاح المشروع الجهوي. الديمقراطية هنا تعني الشفافية في توزيع الموارد، محاسبة من يتولى التسيير، وتعزيز مشاركة المواطنين في القرار المحلي، بدل أن يظلوا مجرد متفرجين على صراعات حزبية عقيمة.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للسياسة بمعناها النبيل: خدمة الصالح العام. وهذا لن يتحقق ما لم تُراجع الأحزاب طرق اشتغالها، وتعيد بناء علاقتها بالمجتمع على أساس المصارحة، تجديد النخب، والاستماع لنبض الشارع. الحكم الذاتي، في عمقه، يفتح الباب أمام ميلاد جيل جديد من القيادات المحلية القادرة على ابتكار سياسات عمومية تراعي خصوصية المجال وتستجيب لحاجيات الناس، بعيداً عن منطق التعيينات الفوقية أو التزكيات المحكومة بالولاءات.
في هذا المنعطف، يصبح الرهان ليس فقط على نجاح تجربة الحكم الذاتي كصيغة متقدمة للامركزية، بل على قدرتنا على تحويل هذه التجربة إلى محطة سياسية تعيد صياغة معنى الفعل الحزبي برمّته. فإذا فشل المشهد الحزبي في مواكبة هذا التحول، ستظهر بالضرورة أشكال جديدة من التمثيلية والقيادة، وقد تفرض نفسها من خارج المؤسسات التقليدية.
إن بناء دولة الجهات هو بداية مرحلة جديدة في تاريخ المغرب، تُعيد توزيع المسؤوليات وتفتح الباب لمستقبل سياسي مختلف. لكن نجاح هذا الخيار يمرّ عبر إعادة الاعتبار للديمقراطية كحق، وكثقافة، وكآلية للمحاسبة. وأول خطوة في هذا المسار هي توفر أحزاب حقيقية، تُعيد بناء الثقة المفقودة وتُثبت أن السياسة ليست مجرد مواقع، بل هي رهان مجتمعي ومسؤولية وطنية.
لقد فُتح الباب واسعاً أمام التغيير. ويبقى السؤال: هل ستملك الأحزاب الشجاعة الكافية لتجديد نفسها وقيادة المرحلة، أم أن المغرب سيشهد ميلاد خارطة سياسية جديدة تصنعها الجهات لا المقرات المركزية؟
مقالات ذات صلة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات
مونديال 2030.. زيارة «فيفا» تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار الجاهزية، والمغرب مطالب بتحويل الطموح إلى إنجاز


Comments ( 0 )