ترامب وخطة السلام في أوكرانيا: ضغط أمريكي أم تراجع أوروبي؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

تتجه الأنظار مجددًا إلى أوكرانيا، حيث تتشابك الملفات السياسية والعسكرية مع فضائح الفساد الداخلية، لتضع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في موقف شديد الحساسية. فبعد أن أصابت فضيحة كبرى قطاع الطاقة الأوكراني وامتدت آثارها إلى محيط الرئيس المقرب، يجد الأخير نفسه أمام خيارين صعبين: القبول بخطة السلام الأمريكية، أو مواجهة احتمالات عزلة دولية وإضعاف موقف بلاده في المفاوضات.

خطة ترامب، المستوحاة جزئيًا من نموذج غزة، تقترح 28 بندًا تشمل الاعتراف الأمريكي والأوروبي بمناطق دونباس المحتلة والاحتفاظ بجمود خطوط القتال في خيرسون وزابوريجيا، مع حرمان أوكرانيا من أي قدرة فعالة على تعديل هذه البنود. وعليه، تبدو الخطة أكثر تصميماً على حماية مصالح روسيا من التنازلات الكبرى لأوكرانيا، بدل أن تكون أداة عادلة لتحقيق تسوية مستدامة.

المؤشرات تكشف عن ازدواجية في الموقف الأمريكي؛ فبينما تؤكد واشنطن دعمها لأوكرانيا، يلمح أسلوب التعاطي العسكري والضغط المباشر عبر وفود عسكرية رفيعة المستوى إلى فرض إرادة على كييف بدل تقديم حلول متوازنة. إرسال وزير الجيش الأمريكي وقادة كبار من البنتاغون يعكس رغبة واشنطن في التحكّم بالمفاوضات على نحو يضمن مصالحها أولاً، حتى لو تطلب الأمر تجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية.

على الصعيد الأوروبي، يُظهر الاتحاد حالة توتّر واضحة. المصادر الأوروبية تعتبر أن مبعوث ترامب يُوظف لخدمة مصالح موسكو، وأن تجاهل واشنطن لاستشارتهم يفاقم شعورهم بالتحيّز ويهدد مصداقية أي حل شامل. ومن ثم، يبدو أن الجهود الأوروبية لدفع روسيا إلى طاولة المفاوضات تتصادم مع التحركات الأمريكية، ما يضع أوكرانيا في موقف هش، حيث تُقحم في صراع النفوذ بين القوى الكبرى.

الكرة اليوم في ملعب زيلينسكي، الذي لم يبدِ موقفًا واضحًا من الخطة، بينما يواصل التنسيق مع شركاء أوروبيين لإعداد بدائل لا تُرضي موسكو. ومع ذلك، ضغوط الفساد الداخلي والاحتياجات الملحة لإنهاء الحرب، تجعل من الصعب على كييف رفض أي مقترح أمريكي دون دفع ثمن سياسي باهظ.

المشهد يكشف بوضوح هشاشة العملية السياسية في أوكرانيا، ويدعو إلى التساؤل: هل تسعى واشنطن فعلاً للسلام، أم أن الهدف الأبعد هو إعادة رسم خريطة النفوذ على الأرض، بما يضمن مصالحها الاستراتيجية؟ وفي ظل هذه المعادلة، تبدو أوكرانيا محكومة بالخيارات الصعبة، بين حماية سيادتها ومواجهة الضغوط الدولية، وبين احتمالات التسوية التي قد تشوبها تنازلات صعبة ومُهينة.

في النهاية، الخلاصة واضحة: أي تسوية حقيقية في أوكرانيا تتطلب مشاركة أوكرانيا الفعلية في صياغة البنود، وليس مجرد فرض خارجي، وإلا فإن ما يُقدَّم على أنه خطة سلام، قد يتحوّل إلى أداة ضغط سياسية على الأرض، تكرّس النفوذ الأمريكي والروسي على حساب الشعب الأوكراني.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment