فرنسا ومسلموها… حين تتحوّل العلمانية إلى أداة فرز اجتماعي

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
لم تعد علاقة فرنسا بمواطنيها المسلمين مجرّد سؤال ثقافي أو جدل سياسي عابر، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى بارومتر يكشف توترًا بنيويًا داخل المجتمع الفرنسي نفسه. فالتقرير الصادر عن الهيئة الفرنسية للدفاع عن الحقوق يعيد فتح ملف طال إغلاقه رسميًا: تمييز ممنهج يتزايد تحت غطاء القانون، ويُشرعن الإقصاء باسم حماية “العلمانية”.
صحيح أن فرنسا تضم واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، تنحدر في معظمها من شمال إفريقيا، وأن جذور الحضور الإسلامي فيها ممتدة إلى زمن الاستعمار، إلا أن ما كان يُفترض أن يكون قصة اندماج طويل تحوّل اليوم إلى قصة قلق متبادل. فالأرقام التي يوردها التقرير صادمة: ثلث المسلمين تقريبًا يقولون إنهم تعرضوا للتمييز، أي ما يفوق بكثير أي مجموعة دينية أخرى في فرنسا. الأكثر دلالة أن النساء المحجبات يُصنّفن الأكثر استهدافًا، حيث تعيش كثيرات منهن بين خيارين مرّين: نزع الحجاب أو الانسحاب من الفضاء المهني.
يمكن القول إن 2015 شكّل نقطة الانعطاف الكبرى. فالهجمات الدامية التي ضربت باريس دفعت جزءًا من الرأي العام ووسائل الإعلام إلى صياغة علاقة جديدة مع المسلمين، علاقة يغلب عليها الشك والتحفّظ. ومن حينها، بدأ ما يشبه السردية الجماعية التي تربط الإسلام—كمعتقد وثقافة—بالتهديد الأمني، في ما يشبه “عدوى سياسية” سرعان ما انتقلت إلى التشريعات وإلى المدرسة والإدارة.
وبدل أن تصبح العلمانية إطارًا يضمن حرية الجميع، تحوّلت تدريجيًا إلى خطاب يحدد ما يجب ستره، وما يجب إظهاره، ومن يُقبل في الفضاء العام ومن يُطرد منه. العلمانية التي وُلدت عام 1905 لحماية المعتقد، تُستخدم اليوم لتحجيمه.
المفارقة الصارخة أن الدولة التي ترفض جمع البيانات الدينية بذريعة حماية الخصوصية، تسمح في الوقت نفسه بخطاب سياسي وإعلامي يحمّل المسلمين مسؤولية “تهديد الهوية الوطنية”. وهنا يظهر التناقض: كيف يمكن محاربة التمييز دون الاعتراف بوجود ضحايا محدّدين؟ وكيف يمكن دمج فئات واسعة من المجتمع بينما تُعامل باعتبارها “أجنبية ثقافيًا” مهما طالت جذورها في فرنسا؟
كما أن جزءًا من النخب الفرنسية يروّج لفكرة أن “الحياد الديني” يعني إقصاء الرموز الدينية، وهو فهم مشوّه للعلمانية، يؤدي في الواقع إلى خلق درجات داخل المواطنة: مواطن كامل بشرط أن يكون غير مرئي دينيًا، وآخر مشكوك فيه لأن لباسه أو معتقده يذكّر بهويته.
لا يمكن تجاهل أن المرأة المحجبة أصبحت رمزًا لهذا الصراع. فالتقرير يشير إلى أن قطاعات واسعة تُغلق أبوابها في وجههن، وأنهن يُدفعن نحو العمل الحر أو الوظائف الأقل، أو يُمنعن من الرياضة أو التعليم في بعض الحالات. هذه ليست مجرد حوادث معزولة، بل سياسة اجتماعية غير معلنة تُمارس بفعل الثقافة السائدة، لا بفعل القانون فقط.
في ظل هذه التطورات، تبدو فرنسا أمام سؤال جوهري:
هل تريد علمانية تحمي حقوق الجميع أم علمانية تُعاد صياغتها سياسيًا لخلق “مسافة آمنة” من الإسلام؟
وهل يمكن لدولة تتفاخر بالديمقراطية والمساواة أن تواصل غضّ الطرف عن نسب التمييز المتصاعدة ضد فئة كبيرة من مواطنيها؟
التقرير يدعو إلى توعية أوسع بمعنى العلمانية الحقيقي. لكنّ الأهم هو الاعتراف بأن الأزمة ليست لغوية أو تفسيرية فقط. هي أزمة ثقة، وأزمة سردية وطنية، وأزمة نموذج اندماج بدأ يفقد قدرته على احتواء التنوّع.
إن استمرار فرنسا في إدارة العلاقة مع المسلمين عبر منطق الخوف والضبط سيقود حتمًا إلى مزيد من الانقسام الاجتماعي، وإلى خلق جيوب غضب مكتومة. ما يحتاجه الفرنسيون اليوم ليس قوانين أكثر صرامة، بل شجاعة سياسية لاعتبار المسلمين جزءًا من سردية فرنسا الحديثة، لا هامشًا ثقافيًا ولا عبئًا أمنيًا.
مقالات ذات صلة
ضرورة تجديد مناهج وبرامج الثانوي في ظل الحكومة الجديدة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات


Comments ( 0 )