استقلال القبائل… خطوة رمزية أم فخ استراتيجي للجزائر والمنطقة؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
أثار إعلان حركة تقرير مصير منطقة القبائل (ماك) عن استقلال منطقة القبائل، المقرر في 14 ديسمبر 2025، جدلاً واسعًا على المستويين الوطني والإقليمي. ورغم أن الحركة تصف هذا القرار بأنه ممارسة للحق المشروع في تقرير المصير، فإن القراءة الواقعية تشير إلى أن هذا الإعلان يحمل رمزية سياسية كبيرة أكثر من كونه مشروعًا قابلاً للتطبيق على أرض الواقع.
مؤسس الحركة، فرحات مهني، شخصية مركبة ومثيرة للجدل. مغنٍ سابق تحول إلى سياسي انفصالي، يقدم نفسه ممثلًا للهوية الأمازيغية-القبائلية، رغم رفض شريحة واسعة من الأمازيغ له كمتحدث باسمهم. يصف مهني الجزائر بأنها “ديكتاتورية” ويعتبر منطقة القبائل “مستعمرة داخل الدولة”، وهو ما يعكس رؤيته الانفصالية الحادة التي تصطدم بواقع سياسي واجتماعي معقد.
أبرز ما يميّز مشروعه أنه يتماهى مع مواقف الرباط حول الصحراء المغربية، مؤكدًا دعم سيادة المغرب عليها، وهو تباين حاد بين هدفه الانفصالي داخل الجزائر وموقفه في الصحراء، ما يعكس أبعادًا رمزية وسياسية أكثر منها استراتيجية واضحة على الأرض.
تعود جذور “ماك” إلى أحداث “الربيع الأسود” عام 2001، والتحول من المطالبة بالحكم الذاتي إلى شعار الاستقلال عام 2013. وعلى الرغم من التصنيف الجزائري للحركة كمنظمة إرهابية، فإن الدعم الدولي لها محدود، حيث تتعامل الولايات المتحدة وكندا معها كحركة سياسية، بينما فرنسا تقدم دعمًا جزئيًا في أوساط الجالية الأمازيغية.
الباحث هشام معتضد يرى أن الإعلان يضع السلطة الجزائرية في موقف مربك، إذ يختبر قدرتها على إدارة التعدد الثقافي والاجتماعي داخليًا. ومن الناحية الرمزية، يعكس الإعلان توترًا داخليًا متصاعدًا، لكن من الصعب أن يتحول إلى واقع سياسي بسبب غياب قاعدة شعبية واسعة، قوة الدولة المركزية، واعتراف دولي.
المحلل صهيب المزريقي يشير إلى أن غالبية الأمازيغ في الجزائر ترى نفسها جزءًا من الدولة الوطنية، وأن أي محاولة استقلال أحادية ستكون محكومة بالفشل على غرار كتالونيا وكردستان. كما أن الخطاب الانفصالي سيُقرأ إقليميًا على أنه تهديد لوحدة الدول المغاربية، ما يقلل من فرص أي دعم خارجي.
من منظور دولي، إعلان الاستقلال يحمل بعدًا رمزيًا أكثر من كونه سياسيًا. فرنسا والاتحاد الأوروبي سيتعاملان معه بمنطق البراغماتية، مع التركيز على الاستقرار الجيوسياسي وإدارة الهجرة وضمان تدفقات الطاقة، لا دعم مشروع انفصالي قد يزعزع استقرار الجزائر والمنطقة.
في المغرب، على سبيل المثال، الأمازيغ يتمتعون بالاعتراف الدستوري والحضور المؤسسي، ما يجعل تأثير مشروع “ماك” محدودًا على الهوية الأمازيغية في شمال إفريقيا. أما في ليبيا وتونس، فالأمازيغ لا يشكلون قوة سياسية قادرة على تحريك مشاريع انفصالية، مما يجعل الإعلان حدثًا ثقافيًا واجتماعيًا أكثر من كونه تغييرًا في الخريطة السياسية.
بالرغم من محدودية الأثر المباشر، يمكن للإعلان أن يكون اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة التنوع والهوية الثقافية. فالشعور الأمازيغي بأن هويتهم تُدار بعقلية أمنية أكثر من كونها رصيدًا ثقافيًا، يمثل تحديًا استراتيجيًا داخليًا.
ويخلص معتضد إلى أن الإدارة الحكيمة لهذا الحدث قد تحول إحراجًا رمزيًا إلى فرصة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية ضمن مشروع وطني شامل.
إعلان استقلال منطقة القبائل ليس انقلابًا على الواقع، ولا خطوة قابلة للتحقيق على الأرض في الوقت الحالي.
هو رسالة رمزية، اختبار سياسي داخلي، ومؤشر على هشاشة إدارة التنوع في الجزائر. لكنه في الوقت نفسه، فرصة لتسليط الضوء على نقاش أوسع حول الهوية، الانتماء، وحقوق الأمازيغ داخل الدولة الوطنية، وهو ما سيبقى محل مراقبة وإجماع داخلي وخارجي على مدى تأثيره السياسي والثقافي.
مقالات ذات صلة
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة
وأُسْــدِل الْسِّتَــار عَن مُونْدِيَال Mondial 2026


Comments ( 0 )