سخرية التنمية… الجديدة أكثر بداهةً ووفاءً للتراث الرعوي في عصر الرقمنة

المحور الصحفي // كريم لعميم
في الوقت الذي تنشغل فيه الخطابات الرسمية بأحلام الاستثمار وجلب السياح وتسويق مدينة الجديدة كوجهة واعدة للتنمية، اختارت المقاطعة الرابعة أن تمنح الساكنة والزوار على حد سواء تجربة مختلفة تمامًا، تجربة أقرب إلى البادية منها إلى مدينة يُفترض أنها تسير بخطى ثابتة نحو الحداثة. فجأة، ودون سابق إنذار، تحولت الشوارع الرئيسية إلى مسارات مفتوحة لقطعان الأغنام، في مشهد يختزل مفارقة صارخة بين ما يُقال في المكاتب وما يُعاش في الواقع.
قد يعتقد البعض أن الأمر يتعلق بفوضى عابرة أو حالة شاذة، لكن المشهد المتكرر يوحي وكأنه خيار ضمني، أو على الأقل تساهل مقلق مع وضع لا يليق بمدينة تبحث عن مكان لها في خريطة الاستثمار والتنمية. فأن تجوب الماشية الشوارع العامة، وتحتل الأرصفة، وتزاحم السيارات والمواطنين، ليس تفصيلاً بسيطًا، بل مؤشر على خلل عميق في تصور المجال الحضري وتدبيره.
الجديدة، التي يُراد لها أن تكون قاطرة تنموية وواجهة حضرية حديثة، تجد نفسها اليوم عاجزة عن تدبير أبسط مقومات المدينة: تنظيم الفضاء العام، حماية سلامة المواطنين، والحفاظ على الحد الأدنى من الجمالية والنظام. المفارقة المؤلمة أن الحديث عن الرقمنة، والاستدامة، وجاذبية الاستثمار، يصطدم يوميًا بصور تعيدنا عقودًا إلى الوراء، حيث تختلط المدينة بالعروبية في غياب تام لأي رؤية واضحة للفصل بين المجالين.
المستثمر، كما هو معلوم، لا يهرب فقط من ضعف البنية التحتية أو تعقيد المساطر الإدارية، بل يهرب أساسًا من العقليات التي تطبع الفوضى وتتعامل معها كأمر عادي. حين تصبح مشاهد الماشية في الشارع العام مقبولة، بل غير مستفزة، فإن الرسالة الموجهة إلى كل من يفكر في الاستثمار واضحة: هنا لا تحترم البيئة الحضرية، ولا تُعتبر سلامة المواطن أولوية، ولا تُدرك قيمة الفضاء العام كعنصر أساسي في التنمية.
إن التنمية ليست شعارات تُرفع ولا مشاريع تُعلن في المناسبات، بل هي ممارسة يومية تبدأ من احترام الشارع، وتنظيم المجال، وفرض القانون على الجميع دون استثناء. أما الإصرار على التطبيع مع مشاهد تسيء لصورة المدينة، تحت أي مبرر كان، فلا يمكن إلا أن يعمق الهوة بين الخطاب والواقع، ويجعل من الجديدة نموذجًا ساخرًا لمدينة عالقة بين أحلام الحداثة وواقع التسيب.
إلى من يهمه الأمر، لا يمكن لمدينة أن تطلب ثقة المستثمرين والزوار، وهي تعجز عن حماية شوارعها من الفوضى. فحين تختل الأولويات، يصبح من الطبيعي أن يبحث رأس المال عن فضاءات تحترم معنى المدينة، وتفهم أن التنمية تبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل المشاريع الكبرى.
مقالات ذات صلة
مطالب بتكثيف التدخلات الأمنية لمحاربة ترويج المخدرات بدوار الهنا بتسلطانت
إقليم خنيفرة .. مشاريع تنموية في مختلف القطاعات بمناسبة عيد العرش
تدشين دار الطالبة بأولاد غانم يعزز دعم تمدرس الفتيات بالعالم القروي
باعة المأكولات بباب دكالة يعلنون الاحتجاج للمطالبة بحلول بعد نقل محطة الطاكسيات إلى العزوزية
الفيدرالية المغربية لناشري الصحف ترحب بتنصيب اللجنة المؤقتة للمجلس الوطني للصحافة وتدعو إلى تسريع معالجة الملفات العالقة


Comments ( 0 )