التعليم القروي يبدع… ووزارة التربية الوطنية تختبئ وراء الأعذار

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
لم يعد ينقص المدرسة العمومية في المغرب سوى أن يخرج وزير التربية الوطنية، أمام عدسات الكاميرات، ليقترح على الأسر “الحل النهائي”: الهروب من المدرسة العمومية نفسها. تصريح صادم، لا يصدر عن مسؤول يفترض فيه إنقاذ التعليم، بل عن مراقب جودة يبرر فشل المنتوج بإلقاء اللوم على العاملين في آخر السلسلة.
حين يقول الوزير، ببرودة أعصاب، إن مؤسسات العالم القروي “ما فيهاش أساتذة مزيانين”، فهو لا يكشف خللًا بقدر ما يفضح تصورًا خطيرًا للدولة تجاه فئات ضحّت ولا تزال تضحي في صمت. أساتذة يدرّسون في أقسام متهالكة، في دواوير منسية، دون نقل، دون تجهيزات، أحيانًا دون ماء أو كهرباء، ومع ذلك يُطلب منهم تحقيق المعجزات… ثم يُكافَأون باتهام علني بالفشل.
الخطير في هذا الخطاب أنه لا يسيء فقط للأستاذ، بل يسيء للعالم القروي بأكمله، وكأن التفوق حكر على المدن، وكأن النبوغ يحتاج بالضرورة إلى بنايات إسمنتية مصقولة وشعارات “الريادة” أكثر مما يحتاج إلى إرادة ومعرفة وتضحية.
الواقع يكذب الخطاب الرسمي. فكل سنة، تكشف نتائج الامتحانات الوطنية والجهوية حقيقة لا يمكن إنكارها: نسبة مهمة من المتفوقين الأوائل يأتون من مدارس قروية، من أقسام مكتظة، من مسارات شاقة يقطعها التلاميذ على الأقدام، ومن ليالٍ طويلة يُراجع فيها الدرس تحت ضوء شمعة أو هاتف بسيط.
هؤلاء لم يصنعهم “نموذج بيداغوجي رائد”، بل صنعهم أساتذة يشتغلون في الهامش، خارج الأضواء، وبإمكانيات شبه منعدمة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري الذي يتجنب الوزير الإجابة عنه:
إذا كانت مدارس الدواوير تفتقر إلى “أساتذة جيدين”، فمن أين يأتي هؤلاء المتفوقون؟
هل يصعد النجاح وحده؟
أم أن هناك كفاءات تُهان بدل أن تُدعَم؟
الحقيقة المرة أن المشكل ليس في الأستاذ، بل في السياسات التعليمية المرتبكة.
ليس في القسم، بل في من أهمل القسم.
ليس في الكفاءة، بل في قرارات تُصنع في المكاتب، وتُفرض دون تشخيص، ثم يُلقى فشلها على من ينفذها.
أما دعوة “تنقيل التلاميذ” من المؤسسات غير المصنفة “رائدة”، فهي اعتراف رسمي بالعجز.
اعتراف بأن الوزارة تخلت عن إصلاح المدرسة العمومية، واختارت منطق الفرز بدل الإنصاف.
وكأن المدرسة أصبحت حافلة، ومن لم يعجبه المقعد عليه أن يغير الخط.
وكأن كل الأسر قادرة على تحمل كلفة التنقل، أو أن المؤسسات “الرائدة” قادرة أصلاً على استيعاب هذا العدد من التلاميذ.
هذا ليس حلًا، بل هروبًا إلى الأمام.
وعوض معالجة أصل الداء: البنية التحتية، التكوين المستمر، التحفيز، الاستقرار المهني، تُفضّل الوزارة استعمال شماعة جاهزة اسمها “الأستاذ”.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
الأستاذ القروي لا يحتاج شهادة حسن سلوك من وزير. يكفيه أنه يصنع النتائج من العدم، ويزرع الأمل في أماكن تخلت عنها السياسات العمومية.
أما تحميله مسؤولية الفشل، فهو سلوك لا يليق بوزير، ولا بقطاع استراتيجي مثل التعليم.
في الخلاصة، العالم القروي لا ينتج الفشل، بل ينتج المتفوقين رغم كل شيء.
والمدرسة العمومية لا تزال تصمد بفضل رجال ونساء الطباشير، لا بفضل الخطابات.
أما الوزارة، فمدعوة اليوم إلى مراجعة نفسها، قبل أن تطلب من المواطنين الهروب من مؤسسة يفترض أنها عماد العدالة الاجتماعية.
العالم القروي يصنع النبوغ… ووزارة التربية الوطنية، للأسف، ما زالت تصنع الأعذار.
مقالات ذات صلة
أزمة التشغيل بالمغرب: عندما يؤكد الواقع صحة التشخيص
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة


Comments ( 0 )