ترامب والواقع المناخي… هل استوعب الجمهوريون الدرس؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

بينما يصر دونالد ترامب على وصف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بأنها “خدعة القرن”، وترويج الوقود الأحفوري كحل سحري لأي أزمة اقتصادية أو بيئية، تكشف دراسة جديدة أن الناخب الأمريكي لم يعد يشتري هذه الرواية القديمة. فحتى بين الجمهوريين، يظهر دعم متزايد للبحوث والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، ما يعكس فجوة صارخة بين خطاب الرئيس وواقع الرأي العام.

الاستطلاع الذي أجرته جامعة ييل يثبت أن 59 في المئة من الناخبين يفضلون مرشحًا يدعم العمل المناخي، بينهم نسبة معتبرة من الجمهوريين المعتدلين والليبراليين. هذا الدعم يشمل تمويل الأبحاث في الطاقة النظيفة، وتعزيز السياسات التي تحد من التلوث الكربوني، وحتى الانتقال الكامل للاقتصاد من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الخضراء بحلول 2050، حيث يؤيد ذلك 66 في المئة من الناخبين.

المفارقة الصادمة هنا ليست في أن ترامب يُعارض الطاقة الخضراء، بل في أن جزءًا كبيرًا من قاعدته الانتخابية بدأ ينحاز للسياسات المناخية، ويعبر عن رفضه لانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، الذي يمثل أحد أكبر الالتزامات البيئية في التاريخ. فحتى مع استمرار الترويج للرواية القديمة بأن الاحترار العالمي مؤامرة صينية، يرفض الناخبون الأمريكيون تسليم مستقبلهم البيئي لمصالح قصيرة النظر.

الهجوم المتكرر للرئيس على مشاريع الطاقة النظيفة، وحذف وكالة حماية البيئة للوقود الأحفوري من موقعها الرسمي، لا يقللان من إدراك الجمهور لتأثير تغير المناخ على حياتهم اليومية، بما في ذلك ارتفاع تكلفة المعيشة والفرص الاقتصادية الضائعة. فالاستثمار في الطاقة المتجددة لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية حقيقية.

ما يثير الانتباه في نتائج الاستطلاع الأخير هو التغير الواضح داخل صفوف الناخبين الجمهوريين أنفسهم. فقد أيد 47% من الجمهوريين المعتدلين والليبراليين تمويل المزيد من الأبحاث في الطاقة المتجددة، في حين أيد 26% من الجمهوريين المحافظين الانتقال الكامل إلى الطاقة النظيفة بحلول 2050. هذه الأرقام تكشف أن الموقف التقليدي للحزب الجمهوري تجاه الطاقة والخطط المناخية لم يعد موحدًا كما كان قبل عقد من الزمن، وأن الضغط الشعبي قد يُجبر القيادات على إعادة النظر في سياساتها، أو على الأقل تجنب الإعراض الكامل عن الأزمة المناخية.

الاستطلاع يسلط الضوء أيضًا على إدراك الناخبين للتأثير المباشر لتغير المناخ على حياتهم اليومية، حيث يرى 65% منهم أن الاحترار العالمي يزيد من تكلفة المعيشة ويهدد الاقتصاد، بينما يربط 49% منهم الطاقة المتجددة بفرص جديدة للنمو وخلق الوظائف. هذه المعطيات تُظهر أن المناخ لم يعد قضية بعيدة عن حياة المواطن العادي، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في قرارات التصويت والاستثمارات المستقبلية.

من هنا، يتضح أن الخطاب المناهض للطاقة الخضراء الذي يروجه ترامب يواجه تحديًا حقيقيًا على الأرض. استمرار السياسات المعادية للتحول البيئي لا يضمن فقط تراجع الدعم الشعبي، بل قد يضع الولايات المتحدة في مأزق استراتيجي، خصوصًا مع الضغط الدولي المتزايد للحد من الانبعاثات الكربونية والمشاركة الفاعلة في اتفاقيات المناخ العالمية.

الدرس الأهم هو أن السياسات المناخية لم تعد خيارًا ثانويًا أو رفاهية بيئية، بل أصبحت قضية سياسية حاسمة، قادرة على قلب موازين الانتخابات وتحريك التحالفات التقليدية. على صناع القرار أن يفهموا أن مقاومة التطورات العلمية والتقنية في مجال الطاقة الخضراء قد تكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وبيئيًا.

الرسالة واضحة: على ترامب أو أي سياسي آخر أن يدرك أن قاعدة الناخبين، سواء كانوا ديمقراطيين أم جمهوريين، أصبحت أكثر وعياً وأكثر ضغطًا على صناع القرار لتغيير السياسات المناخية. فالأرقام لا تكذب، والواقع يفرض نفسه على أي جدول سياسي، حتى لو حاول البعض إنكاره أو تحويله إلى خدعة سياسية.

الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق طرق: إما التمسك بالخيارات القديمة التي تهدد البيئة والاقتصاد معًا، أو الاستجابة لتطلعات الناخبين الطامحين لمستقبل أخضر ومستدام. والتاريخ سيحكم على من اختار الطريق الصحيح.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment