سجن التماسيح… حين تنحدر السياسة إلى قاع الوحشية المقنّعة بالأمن

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو إلى أي حد يمكن للسياسات اليمينية المتطرفة أن تذهب في انتهاك الكرامة الإنسانية، بل: هل ما زال هناك قاع أخلاقي لم تبلغه بعد؟ اقتراح إنشاء سجن للفلسطينيين محاط بالتماسيح، مستوحى من تجربة أمريكية مثيرة للجدل، ليس مجرد فكرة شاذة أو زلة لسان مسؤول متطرف، بل مؤشر خطير على تحوّل العقاب إلى استعراض للردع الحيواني، حيث يُجرَّد الإنسان من صفته البشرية ويُعاد تعريفه كخطر يجب عزله وسط مفترسات.
زيارة وفد رسمي من إدارة السجون الإسرائيلية لمزرعة تماسيح في “حمات غادير” لا يمكن قراءتها بسذاجة “الاطلاع والدراسة”، كما قُدِّم للرأي العام. فحين تُستدعى التماسيح إلى النقاش الأمني، فإننا نكون أمام هندسة رعب رمزية، الهدف منها ليس فقط الحراسة، بل تحطيم النفس قبل الجسد. إن مجرد التفكير في أن وجود كائنات مفترسة قد يُوظَّف كأداة ردع ضد بشر، يكشف انتقال العقل الأمني من منطق القانون إلى منطق الغابة.
الخطير في هذا الطرح أنه يستند إلى سابقة أمريكية وُصفت دوليًا بغير الإنسانية، وهي منشأة “أليغيتور ألكاتراز” في فلوريدا، التي أثارت موجة انتقادات حقوقية وبيئية واسعة. غير أن استنساخ نموذج مثير للجدل في سياق الاحتلال الإسرائيلي يضاعف فداحة الأمر، لأن الحديث هنا لا يدور عن مهاجرين غير نظاميين فقط، بل عن شعب واقع تحت الاحتلال، تُمارس بحقه أنماط عقاب جماعي تتجاوز كل الأعراف الدولية.
إن تحويل السجن إلى فضاء تهديد طبيعي، محاط بالتماسيح والمستنقعات، هو إعادة تعريف للعقوبة خارج إطار العدالة. فالسجون، مهما كانت قاسية، يفترض أن تخضع لقواعد قانونية واضحة، لا أن تُحوَّل إلى مسارح رعب نفسي. وهنا يتقاطع الأمن مع الإذلال، وتتحول فكرة الردع إلى أداة انتقام سياسي مغطاة بخطاب “السيادة” و”محاربة الخطر”.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الأفكار لا تصدر عن هامش متطرف معزول، بل عن وزير يشغل منصبًا سياديًا، ما يعني أن التطرف لم يعد استثناءً، بل بات جزءًا من النقاش الرسمي. وهذا يؤكد أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على تعريف الإنسان وحقوقه وحدود العقاب المشروع.
قد لا تُبنى سجون التماسيح فعليًا، وقد تُدفن الفكرة تحت ضغط الانتقادات، لكن مجرد طرحها يكشف حقيقة مقلقة: حين تفقد السياسة بوصلتها الأخلاقية، تصبح الوحوش شركاء في الحكم. والتاريخ علّمنا أن الأنظمة التي تبدأ بتجريد خصومها من إنسانيتهم، لا تتوقف عند حدود السجون، بل تفتح الباب لانهيار شامل لمنظومة القيم والقانون.
مقالات ذات صلة
أزمة التشغيل بالمغرب: عندما يؤكد الواقع صحة التشخيص
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة


Comments ( 0 )